تمهيد :
كانت عاد تسكن بالأحقاف في جنوب الجزيرة بين اليمن وسلطنة عمان في منطقة صلالة، وقد أنذرهم رسولهم عذاب الله، فاستكبروا واستحقّوا العذاب، وأظهروا استعدادهم لصدّ أيِّ عذاب نظرا لقوتهم وبأسهم وقوة أجسامهم، وإعجابهم بقدرتهم وقوّتهم، ولما جاء العذاب إليهم كانوا يحفرون لأنفسهم حفرا، ويربطون أنفسهم بالسلاسل، ويتركون رءوسهم في أعلى الحفرة فكانت الريح تأتي فتقطع رقابهم وتتركهم هلكى، مثل عجز النخلة التي قُطعت ساقها.
وكانت ثمود تسكن في شمال الجزيرة، وأرسل الله إليهم صالحا ومعه ناقة معجزة، تحلب لهم لبنا يكفيهم أجمعين، وطلب منهم أن يشربوا من الماء في يوم، ويتركوا الماء للناقة في اليوم التالي، لكنهم عقَرُوا الناقة واستخفّوا بالعذاب، بل طلبوا من صالح أن يأتيهم به، فأرسل الله عليهم عذابا مدمّرا مهلكا مذلاّ مهينا، وهذا العذاب يمكن أن يصيب أهل مكة مثله إذا لم يؤمنوا بمحمد صلى اله عليه وسلم.
المفردات :
فهديناهم : بيّنا لهم طريق الهدى والحق بإرسال الرسل وبيان الحجج والأدلة.
فاستحبوا العمى على الهدى : فاختاروا الضلالة وتركوا الطريق المستقيم.
صاعقة : نار تنزل من السماء في رعد شديد، ولا تصيب شيئا إلا أحرقته.
الهون : المخزي المذلّ المهين.
التفسير :
١٧- وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون .
أعطينا قبيلة ثمود العقول والإرادة والاختيار، وأرسلنا إليهم رسول الله صالحا، ومعه ناقة تسقيهم، ومعها عدد من الآيات الدالة على صدق صالح، فعقروا الناقة، واختاروا الضلال والكفر، والبعد عن رسولهم، وعن هدايته، فأرسل الله عليهم قارعة صاعقة مدمرة محرقة، هي الصيحة والرجفة والذلّ والهوان بسبب تكذيبهم صالحا عليه السلام، وعقْرهم للناقة، ولقد كان العذاب مهلكا لأجسامهم ومذِلّا لنفوسهم، بسبب عقر الناقة وتكذيب صالح وجحود الحقّ.
قال تعالى : كذبت ثمود بطغواها * إذ انبعث أشقاها* فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها * فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها* ولا يخاف عقباها . ( الشمس : ١١-١٥ ).
( أ ) العبرة من رواية هذا القصص تأييد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن آمن به، وتهديد المشركين في مكة بأن يصبيهم مثل ذلك العذاب، وقد أكرم الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بأن حفظ أمته من مثل ذلك العذاب المهلك المخزي، حيث قال تعالى : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون . ( الأنفال : ٣٣ )
( ب ) ذكر بعضهم أن الأيام النحسات التي نزل فيها العذاب على قوم عاد كانت في أواخر شوال، وأن أوّلها كان في يوم الأربعاء، وآخرها أيضا كان في يوم الأربعاء، ولذا صار بعض الناس يتشاءم من هذا اليوم، والحق أن ما ذكروه في هذا الشأن لا دليل عليه ولا يلتفت إليه، وأن ما أصاب قوم عاد إنما كان بشؤم كفرهم ومعاصيهم.
قال الشيخ الشنقيطي في تفسير أضواء البيان :
فهذه الروايات وأمثالها لا تدل على شؤم يوم الأربعاء، على من لم يكفر بالله ولم يعصه، لأن أغلبها ضعيف، وما صح معناه منها فالمراد بالنحس : شؤمه على أولئك الكفرة العصاة، الذين أهلكهم الله فيه بسبب كفرهم ومعاصيهم. ا هـ.
( جـ ) كثيرا ما يقرن القرآن بين ذكر عاد وثمود، كما في سور :" براءة " و " إبراهيم " و " الفرقان " و " ص " و " ق " و " الذاريات و " النجم " و " الفجر ".
( د ) ورد في مسند الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بقرى ثمود وهو في طريقه إلى تبوك، فأسرع براحلته، وقنع رأسه، ونهى عن دخول منازلهم إلا أن نكون باكين، فإن لم نبك فلنتباك، خشية أن يصيبنا مثل ما أصابهم.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة