قلت : وأما ثمود ، قراءة الجماعة بالرفع، غير مصروف، إرادة القبيلة، وقراءة الأعمش ويحيى بن وثاب مصروفاً، إرادة الحي، وقراءة ابن أبي إسحاق : بالنصب، من باب الاشتغال، وأصل الكلام : مهما يكن من شيء فثمود هديناهم، فحُذف الملزوم الذي هو الشرط، وأُقيم مقامه لازمه، وهو الجزاء، وأبقيت الفاء المؤذنة بأن ما بعدها لازم لما قبلها، وإلا فليس هذا موضع الفاء ؛ لأن موضعه صدر الجزاء. انظر المُطوّل.
وأما ثمودُ فهديناهمْ ؛ دللناهم على الرشد، بنصب الآيات التكوينية، وإرسال الرسل، وإنزال الآيات التشريعية، فاستحبُّوا العَمَى على الهُدى أي : اختاروا الضلالة على الهداية، فأخذتهم صاعقةُ العذابِ الهُون أي : داهية العذاب الذي يهين صاحبه ويخزيه، وهي الصيحة والرجفة، والهُون : الهوان، وصف به للمبالغة، بما كانوا يكسبون أي : بكسبهم الخبيث من الشرك والمعاصي.
قال الشيخ أبو منصور : يحتمل قوله : فهديناهم : بيَّنا لهم، كما تقدّم، ويحتمل : خلق الهداية في قلوبهم، فصاروا مهتدين، ثم كفروا بعد ذلك، وعقروا الناقة، لأن الهدي المضاف إلى الخالق يكون بمعنى البيان، ويكون بخلق فعل الاهتداء، وأما الهدي المضاف إلى الخلق فيكون بمعنى البيان، لا غير. ه.
وقال الطيبي : قوله تعالى : فهديناهم هو كقوله تعالى : إِذْ جَآءَتْهُمُ الرُّسُلُ [ فصلت : ١٤ ]. وقوله : فاستحبوا العمى على الهدى هو كقوله : قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا. . . [ فصلت : ١٤ ] الآية. وكذا في قوله : فأما عاد فاستكبروا في الأرض ، فإن الفاء في " فاستكبروا " فصيحة، تُفصح عن محذوف، أي : فهديناهم فاستكبروا بدلالة ما قيل في ثمود. ه.
وقوله : وأما ثمود فهديناهم أي : بيَّنا لهم طريق السير إلينا، على ألسنة الوسائط، فحادُوا عنها، واستحبُّوا العمى على الهدى ؛ حيث لم يسبق لهم الهداية في الأزل، فالسوابق تُؤثر في العواقب، والعواقب لا تؤثر في السوابق، فكأن جبلة القوم الضلالة، فمالوا إلى ما جبلوا عليه من قبول الضلالة.
وقوله تعالى : ونجينا الذين آمنوا أي : في الدنيا من الصاعقة، وفي الآخرة من السقوط في الهاوية. قال القشيري : منهم مَن نجَّاهم من غير أن رأوا النار، عَبَروا القنطرةَ ولم يعلموا، وقومٌ كالبرق الخاطف، وهم أعلاهم ـ قلت : بل أعلاهم كالطرف ـ ثم قال : وقوم كالرواكض، وهم أيضاً الأكابر، وقوم على الصراط يسقطون وتردُّهم الملائكة على الصراط، فبَعُدوا. ثم قال : وقومٌ بعدما دخلوا النار، فمنهم مَن تأخذه إلى كعبيه، ثم إلى ركبتيه، ثم إلى حَقْوَيْه١، فإذا بلغ القلب قال الحقُّ للنار : لا تحرقي قلبه، فإنه محترقُ بي. وقوم يخرجون من النار بعدما امْتُحِشُوا٢ فصاروا حُمَماً. هـ منه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي