ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪ

قوله تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ الجمهور على رفعه، ممنوع الصرف. والأعمش وابن وثَّاب مصروفاً١، وكذلك كل ما في القرآن٢ إلا قوله : وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة [ الإسراء : ٥٩ ]، قالوا لأن الرسم ثمود بغير ألف. وقرأ ابن عباس وابنُ أبي إسحاق والأعمش في روايةٍ ثموداً منصوباً مصروفاً٣. والحسنُ وابن هرمزٍ وعاصم أيضاً منصوباً غير منصرف٤.
فأما الصرف وعدمه فقد تقدم توجيههما في «هُودٍ »٥. وأما الرفع فعلى الابتداء والجملة بعده الخبر، وهو متعيّن عند الجمهور٦ لأن «أَمَّا » لا يليها إلا المبتدأ، فلا يجوز فيما بعدها الاشتغال إلا في قليل كهذه القراءة٧، وإذا قدرت الفعل الناصب فقدِّره بعد الاسم المنصوب أي وأما هديناهم فهديناهم. قالو : لأنها لا يليها الأفعال٨.

فصل


قال الزمخشري : وقرئ : بضم الثَّاء٩. قال مجاهد : هديناهم : دعوناهم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما بيَّنَّا لهم سبيل الهدى، وقيل : دللناهم على طريق الخير والشر، كقوله هَدَيْنَاهُ السبيل [ الإنسان : ٣ ] فاستحبوا العمى عَلَى الهدى أي فاختاروا الكفر على الإيمان.
وذكر الزمخشري في تفسير الهدى قوله تعالى : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [ البقرة : ٢ ] : أن الهدى عبارة عن الدلالة الموصلة إلى البغية١٠، وهذه الآية تبطل قوله لأنها تدل على أن الهدى قد حصل مع أن الإفضاء إلى البغية لم يحصل١١. ( انتهى )١٢.

فصل


قالت المعتزلة : دلت هذه الآية على أن الله تعالى ينصب الدلائل ويزيح الأعذار إلا أن الإيمان إنما يحصل من العبد، لأن قوله تعالى :«فَهَديْنَاهُمْ » يدل على أنه تعالى نصب لهم الدلائل، وقوله فاستحبوا العمى على الهدى يدل على أنهم من عند أنفسهم أتوا بذلك العمى، وهذا يدل على أن الكفر والإيمان يحصلان من العبد.
والجواب من وجهين :
الأول : أنه إنما صدر عنهم ذلك العمى لأنهم أحبوا تحصيله، فلما وقع في قلوبهم هذه المحبة دون محبة صده، فِإن حصل هذا الترجيح لا لمرجِّح فهو باطل وإن كان لمرجِّح فإن كان المرجِّح هو العبد عاد الطلب، وإن كان المرجح هو الله فقد حصل المطلوب.
الثاني : أنه تعالى قال : فاستحبوا العمى عَلَى الهدى ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً لا يحب العمى والجهل مع العلم بكونه١٣ عمًى وجهلاً بل ما يظنُّ١٤ في ذلك العمى والجهل بكونه تبصرةً وعلماً مما يرغب فيه فإقدامه على اختياره١٥ على ذلك الجهل الثاني إن كان باختياره لزم التسلسل وهو محال، فلا بد من انتهاء تلك الجهالات إلى جهل يحصل فيه لا باختياره وهو المطلوب١٦.
قوله : فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العذاب الهون بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ وصاعقة العذاب أي المهلكة والعذاب الهون أي ذي الهون، أي الهوان وهو الذي يهينهم بما كانوا يكسبون من شركهم وتكذيبهم صالحاً.
١ من القراءات الأربع فوق العشر المتواترة ذكرها صاحب الإتحاف ٣٨٠ وانظر أيضا معاني القرآن للفراء ٣/١٤، ومختصر ابن خالويه ١٣٣، والبحر المحيط ٧/٤٩١، والكشاف ٣/٤٤٩ وبدون نسبة الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٤/٣٨٣ وهي من الشواذ..
٢ من لفظ ثمود..
٣ لم تعز في الكشاف ٣/٤٤٩ ونسبها أبو حيان في البحر ٧/٤٩١ إلى عاصم وما هو أعلى موافق لما في الدر المصون ٤/٨٢٨..
٤ ذكرها في الشواذ ابن خالويه في المختصر ١٣٣ بالإضافة إلى الكشاف المرجع السابق ولم أجدها في المتواتر عن عاصم..
٥ عند الآية ٦٨ منها: ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود وكذلك الآيات ٦١ و٩٥ منها أيضا ومفاد ما ذكر: أن هود لا يجوز صرفه لأنه مطلق على قبيلة فيكون ممنوعا للعلمية والتأنيث، ويجوز أن يصرف لأنه على ثلاثة أحرف علم أعجمي أوسطه ساكن كنوح..
٦ قال الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٤/٣٨٣: والاختيار رفع ثمود على الابتداء والخبر، وهذا مذهب جميع النحويين اختيار الرفع، وكلهم يجيز النصب وقال الزمخشري في الكشاف ٣/٤٤٩: "والرفع أفصح لوقوعه بعد حرف الابتداء" بينما قال سيبويه في الكتاب: "لأن أما وإذا من حروف الابتداء، يصرفان الكلام إلى الابتداء" الكتاب ١/٩٥. ففهم من كلام سيبويه تعيين رفع ما بعد "أما" بخلاف قولي الزجاج والزمخشري السابقين..
٧ وهو الموافق أيضا لما في الكتاب قال: إلا أن يوقع بعدها فعل، نحو: "أما زيدا فضربت" الكتاب المرجع السابق، وكهذه الآية التي معنا..
٨ انظر هذا بتفصيل في المغني ٥٨ قال: ويجب تقدير العامل بعد الفاء وقبل ما دخلت عليه لأن "أما" نائبة عن الفعل، فكأنها فعل، والفعل لا يلي الفعل..
٩ الكشاف ٣/٤٤٩..
١٠ الكشاف ١/١١٦..
١١ الرازي ٢٧/١١٣..
١٢ زيادة من ب..
١٣ كذا في الرازي وفي النسختين: لكونه باللام..
١٤ في الرازي ما لم يظن..
١٥ في الرازي: فإقدامه على اختيار ذلك الجهل..
١٦ انظر الرازي ٢٧/١١٣ و١١٤..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية