فكنَّى بجلده عن فرحه، وهو الأنسب ؛ لتخصيص السؤال بها في قوله تعالى : وقالوا لجلودهم لمَ شهدتم علينا ، فإن ما تشهد به من الزنا أعظم جناية وقُبحاً، وأجلب للحزن والعقوبة، مما تشهد به السمع والأبصار من الجنايات المكتسبة بتوسطها. روي : أن العبد يقول يوم القيامة : يا رب، أليس قد وعدتني ألا تظلمني ؟ فيقول تعالى : فإن لك ذلك، قال : فإني لا أقبل عليّ شاهداً إلا من نفسي، قال تعالى : أوَ ليس كفى بي شهيداً، وبالملائكة الكرام الكاتبين ؟ قال : فيُختم على فِيهِ، وتتكلم أركانُه بما كان يعمل، فيقول لهن : بُعْداً لكُنَّ وسُحْقاً، عنكُنَّ كنتُ أُجادل١ ".
قالوا في جوابهم : وأنطقَنا اللهُ الذي أنطق كلَّ شيءٍ من الحيوانات، وأقدرنا على بيان الواقع، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح، وما كتمناها. أو : ما نطقنا باختيارنا، بل أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء. وقيل : سألوها سؤال تعجُّب، فالمعنى حينئذ : وليس نطقنا بعجب من قدرة الله تعالى الذي أنطق كل شيء، وهو خلقكم أولَ مرةٍ وإليه تُرجعون ؛ فإنَّ مَن قدر على خلقكم أول مرة، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه، لا يتعجب من إنطاقه جوارحكم. ولعل صيغة المضارع، مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجع، كما أن المراد بالرجوع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالعبث، بل ما يعمه، وما يترتب عليه من العذاب الخالد الترقب عند التخاطب، على تغليب المتوقع على الواقع، مع ما فيه من مراعاة الفواصل، فهذا على أنه من تتمة كلام الجلود، وقيل : هو من كلام الحق تعالى لهم، فيُوقف على " شيء " وهو ضعيف.
وفي الآية حث على حسن الظن بالله، وفي الحديث :" لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله عزّ وجل١ " وقال أيضاً :" يقول الله عزّ وجل : أنا عندَ ظنِّ عبدي بي٢... " الحديث فمَن ظنَّ خيراً لقي خيراً، ومَن ظنّ شرّاً لقي شرّاً. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي