ثم ذكر ما جبل عليه طبع الإنسان من الجزع والهلع، فقال :
لاَّ يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ .
يقول الحق جلّ جلاله : لا يسأمُ الإِنسانُ أي : جنسه، أو : الكافر، بدليل قوله : وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً [ الكهف : ٣٦ ]، أي : لا يملّ من دعاءِ الخيرِ ؛ من طلب السعة في المال والنعمة، ولا يملّ عن إرادة النفع والسلامة، والتقدير : من دعائه الخير، فحذف الفاعل وأضيف إلى المفعول، وإِن مسَّه الشرُّ ؛ الفقر والضيق، فَيَؤُوسٌ من الخير قنوطٌ من الرحمة، أي : لا يرجو زواله ؛ لعدم علمه بربه، وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إلى ربه، بُولغ فيه من طريقين : من طريق بناء فَعول، ومن طريق التكرير ؛ لأن اليأس هو القنط، والقنوط : أن يظهر أثر اليأس فيتضاءل وينكسر، ويظهرَ الجزع، وهذا صفة الكافر لقوله : إِنَّه لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [ يوسف : ٨٧ ]. وقال الإمام الفخر : اليأس على أمر الدنيا من صفة القلب، والقنوط : إظهار آثاره على الظاهر. ه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي