ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ

هذا شوط جديد مع القلب البشري في مجال الدعوة. يبدأ بجولة مع آيات الله الكونية : الليل والنهار والشمس والقمر، وفي المشركين من كان يسجد للشمس وللقمر مع الله. وهما من خلق الله. ويعقب على عرض هذه الآيات بأنهم إن استكبروا عن عبادة الله فهناك من هم أقرب منهم إلى الله يعبدونه. ثم هناك الأرض كلها في مقام العبادة وهي تتلقى من ربها الحياة، كما تلقوها فلم يتحركوا بها إلى الله. إنما هم يلحدون في آيات الله الكونية، ويجادلون في آياته القرآنية ؛ وهو قرآن عربي غير مشوب بأعجمية. وينتقل بهم إلى مشهد من مشاهد القيامة. ثم يعرض عليهم أنفسهم عارية بكل ما فيها من ضعف وتقلب ونسيان، وبكل ما فيها من حرص على الخير وجزع من الضر. ثم هم لا يقون أنفسهم من شر ما يصيبها عند الله. وتنتهي السورة بوعد الله سبحانه أن يكشف للناس عن آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، ويذهب ما في قلوبهم من ريب وشك..
ذلك هو اليوم الذي لا يحتاطون له، ولا يحترسون منه، مع شدة حرص الإنسان على الخير، وجزعه من الضر.. وهنا يصور لهم نفوسهم عارية من كل رداء، مكشوفة من كل ستار، عاطلة من كل تمويه :
( لا يسأم الإنسان من دعاء الخير، وإن مسه الشر فيؤوس قنوط. ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته، ليقولن : هذا لي، وما أظن الساعة قائمة، ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى. فلننبئن الذين كفروا بما عملوا، ولنذيقنهم من عذاب غليظ. وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض )..
إنه رسم دقيق صادق للنفس البشرية، التي لا تهتدي بهدى الله، فتستقيم على طريق.. رسم يصور تقلبها، وضعفها، ومراءها، وحبها للخير، وجحودها للنعمة، واغترارها بالسراء، وجزعها من الضراء.. رسم دقيق عجيب..
هذا الإنسان لا يسأم من دعاء الخير. فهو ملح فيه، مكرر له، يطلب الخير لنفسه ولا يمل طلبه. وإن مسه الشر. مجرد مس. فقد الأمل والرجاء وظن أن لا مخرج له ولا فرج، وتقطعت به الأسباب وضاق صدره وكبر همه ؛ ويئس من رحمة الله وقنط من رعايته. ذلك أن ثقته بربه قليلة، ورباطه به ضعيف !

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير