وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى الله هذا عامّ في كل ما اختلف فيه العباد من أمر الدين، فإن حكمه، ومرجعه إلى الله يحكم فيه يوم القيامة بحكمه، ويفصل خصومة المختصمين فيه، وعند ذلك يظهر المحقّ من المبطل، ويتميز فريق الجنة، وفريق النار. قال الكلبي : وما اختلفتم فيه من شيء، أي من أمر الدين، فحكمه إلى الله يقضي فيه. وقال مقاتل : إن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن، وآمن به بعضهم فنزلت، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ويمكن أن يقال : معنى حكمه إلى الله : أنه مردود إلى كتابه، فإنه قد اشتمل على الحكم بين عباده فيما يختلفون فيه، فتكون الآية عامة في كل اختلاف يتعلق بأمر الدين أنه يردّ إلى كتاب الله.
ومثله قوله : فَإِن تَنَازَعْتُمْ في شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول [ النساء : ٥٩ ]، وقد حكم سبحانه بأن الدين هو الإسلام، وأن القرآن حق، وأن المؤمنين في الجنة، والكافرين في النار، ولكن لما كان الكفار لا يذعنون لكون ذلك حقاً إلاّ في الدار الآخرة، وعدهم الله بذلك يوم القيامة ذلكم الحاكم بهذا الحكم الله رَبّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ اعتمدت عليه في جميع أموري، لا على غيره، وفوّضته في كلّ شؤوني وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أي أرجع في كل شيء يعرض لي لا إلى غيره.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يده كتابان، فقال :«أتدرون ما هذان الكتابان ؟» قلنا : لا، إلاّ أن تخبرنا يا رسول الله، قال : للذي في يده اليمنى :«هذا كتاب من ربّ العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم» ثم قال للذي في شماله :«هذا كتاب من ربّ العالمين بأسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً» فقال أصحابه : ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه ؟، فقال :«سدّدوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيّ عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أيّ عمل له» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه، فنبذهما، ثم قال :«فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة، وفريق في السعير» قال الترمذي بعد إخراجه : حديث حسن صحيح غريب. وروى ابن جرير طرفاً منه عن ابن عمرو موقوفاً عليه. قال ابن جرير : وهذا الموقوف أشبه بالصواب، قلت : بل المرفوع أشبه بالصواب. فقد رفعه الثقة، ورفعه زيادة ثابتة من وجه صحيح، ويقوّي الرّفع ما أخرجه ابن مردويه عن البراء. قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده كتاب ينظر فيه قالوا : انظروا إليه كيف، وهو أميّ لا يقرأ، قال : فعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :«هذا كتاب من ربّ العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء قبائلهم لا يزاد منهم، ولا ينقص منهم» وقال :«فريق في الجنة، وفريق في السعير فرغ ربكم من أعمال العباد».