تفسير المفردات : حرث الآخرة : ثمرات أعمالها تشبيها لها بالغلة الحاصلة من البذور، حرث الدنيا : لذاتها وطيباتها.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه فيما سبق أنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على الدلائل الموصلة إلى السعادة، وأن المتفرقين في الدين استوجبوا شديد العذاب، لكنه أخره إلى يوم معلوم – أرشد هنا إلى أن ذلك من لطف الله بعباده، ولو شاء لجعلهم في عماية من أمرهم، وتركهم في ضلالهم يعمهون، ولو شاء لعجل لهم العذاب. ثم بين أن من يعمل للآخرة يرجو ثوابها يضاعف له فيها الجزاء إلى سبعمائة ضعف، ومن يعمل للدنيا وجلب لذاتها يؤته ما يريد، وليس له في الآخرة نصيب من نعيمها، ثم أعقب هذا بذكر ما وسوست به الشياطين للمشركين، وزينت لهم به من الشرك بالله وإنكار البعث إلى نحو ذلك، ثم بين أنهم كانوا يستحقون العذاب العاجل على ذلك، لكنه أجله لما سبق في علمه من إنظارهم إلى يوم معلوم، ثم ذكر مآل كل من الكافرين والمؤمنين يوم القيامة، فالأولون خائفون وجلون من جزاء ما عملوا، والآخرون مترفون منعمون.
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه أي من كان يريد بأعماله وكسبه ثواب الآخرة نوفقه لصالح الأعمال ونجزه بالحسنة عشر أمثالها إلى ما شاء الله.
ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب أي ومن كان سعيه موجها إلى شؤون الدنيا، وطلب طيباتها واكتساب لذاتها، وليس له هم في أعمال الآخرة – نؤته منها ما قسمناه له، وليس له في ثواب الآخرة حظ، فالأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، قال قتادة : إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا.
ونحو الآية قوله : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا( ١٨ )ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ( الإسراء : ١٨-١٩ ).
وقال ابن عباس : من يؤثر دنياه على آخرته لم يجعل الله له نصيبا في الآخرة إلا النار، ولم يزد بذلك من الدنيا شيئا إلا رزقا فرغ منه وقسم له.
وأخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه وابن حبان عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في الأرض ما لم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب ).
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان يريد حرث الآخرة الآية ثم قال :( يقول الله : ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك ). وعن علي كرم الله وجهه قال : الحرث حرثان : فحرث الدنيا المال والبنون، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات.
تفسير المراغي
المراغي