قوله تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)
قال الحاكم: حدثنا أبو أحمد بكر بن محمد الصيرفي، ثنا أحمد بن عبيد الله النرسي، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا عمران بن زائدة بن نشيط عن أبيه عن أبي خالد الوالي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: تلا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) ثم قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يقول الله عز وجل: ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك".
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (المستدرك ٢/٤٤٣ - ك التفسير، وصححه الذهبي) وأخرجه الترمذي في (السنن برقم ٢٤٦٦) وقال: حسن غريب. وابن حبان في (صحيحه ٢/١١٩ ح٣٩٣) وأخرجه الحاكم من رواية معقل بن يسار بنحوه، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/٣٢٦) ووافقهما الألباني في (السلسلة الصحيحة رقم٩٥٠).
قال أحمد: ثنا عبد الرزاق أنا سفيان، عن أبي سلمة، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض". وهو يشك في السادسة، قال: "فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب".
(المسند ٥/١٣٤)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان ٢/١٣٢ ح٤٠٥)، من طرق عبد العزيز بن مسلم. والحاكم في (المستدرك ٤/٣١١) من طريق المغيرة الخرساني. والضياء المقدسي (المختارة ٣/٣٥٨-٣٥٩) من طرق، كلهم عن الربيع بن أنس به. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وحسّن إسناده الأرناؤوط في حاشية الإحسان، وكذا محقق المختارة وصححه الألباني (صحيح الترغيب ١/٨٧-٨٨ ح٢١).
قال ابن كثير: (من كان يريد حرث الآخرة)، أي: عمل الآخرة، (نزد له في حرثه)، أي: نقويه ونعينه على ما هو بصدده، ونكثر نماءه، ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أن يشاء الله. (ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب)، أي: ومن كان إنما سعيه ليحصل له شيء من الدنيا، وليس له إلى الآخرة همة البتة بالكلية، حرمه
الله الآخرة، والدنيا إن شاء أعطاه منها، وإن شاء لم يحصل له لا هذه ولا هذه، وفاز هذا الساعي بهذه النية بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة. والدليل على هذا أن هذه الآية هاهنا مقيدة بالآية التي في (سبحان) وهي قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا).
وانظر سورة هود آية (١٥) وفيها تفصيل تقييد المطلق.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا)... الآية، يقول: من آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيب في الآخرة إلا النار، ولم نزده بذلك من الدنيا شيئا إلا رزقا قد فرغ منه وقسم له.
قوله تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
قال ابن كثير: وقوله (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس، من تحريم ما حرموا عليهم، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل الميتة والدم والقمار، إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة. التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم، من التحليل والتحريم، والعبادات الباطلة، والأقوال الفاسدة.
وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "رأيت عمرو بن لُحَي بن قمعة يجر قصبه في النار". لأنه أول من سيب السوائب. وانظر سورة المائدة آية (١٠٣) فقد تقدم تخريج الحديث فيها.
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين