ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ

قوله : أوْ يُوبِقْهُنَّ عطف على يُسْكِنْ قال الزمخشري : لأن المعنى : إن يَشَأْ يُسْكِنْ فَيَرْكُدْنَ، أو يَعْصِفْهَا فَيَغْرقْنَ(١) بِعَصْفِهَا، قال أبو حيان : ولا يتعين أن يكون التقدير : أو يعصفها فيغرقن لأن إهلاك السفن لا يتعين أن يكون بعصف الريح، بل قد يهلكها بقلع لوح أو خسفٍ(٢).
قال شهاب الدين : والزَّمخشريُّ لم يذكر أن ذلك متعين، وإنما ذكر شيئاً مناسباً ؛ لأن قوله : يسكن الرياح يقابله «يعصفها » فهو في غاية الحسن والطِّباق(٣).

فصل


معنى «يُوبِقْهُنَّ » يُهْلِكْهُنَّ ويغرقهن «بِمَا كَسَبُوا » أي بما كسبت ركابها من الذنوب وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ من ذنوبهم فلا يعاقب عليها(٤). يقال : أوْبَقَهُ أي أهلكه، كما يقال للمجرم : أوْبَقَتْهُ ذنوبه أي أهلكته(٥).
فإن قيل : ما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جعل مجزوماً مثله ؟
فالجواب : معناه إن يشأ يهلك ناساً ينج ناساً على طريق العفو عنهم، وأما من قرأ «ويعفو » فقد استأنف الكلام(٦) ؟ والعامة على الجزم عطفاً على جواب الشرط. واستشكله القشيريُّ، وقال : لأن المعنى إن يشأ يسكن الريح فتبقى تلك السفن رواكداً ويهلكها بذنوب أهلها، فلا يحسن عطف :«وَيَعْفُ » على هذا لأن المعنى يصير : إن يشأ يعف، وليس المعنى على ذلك، بل المعنى الإخبار عن العفو من غير شرط المشيئة فهو عطف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى(٧). قال أبو حيان : وما قاله ليس يجيّد، إذ لم يفهم مدلول التركيب والمعنى إلا أنه تعالى إن يشأ أهلك ناساً وأنجى ناساً على طريق العفو عنهم(٨). وقرأ الأعمش : ويعفو بالواو(٩). وهي تحتمل أن تكون كالمجزوم، وثبتت الواو في الجزم كثبوت الياء في «مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرْ »(١٠).
ويحتمل أن يكون الفعل مرفوعاً، أخبر الله تعالى أنه يعفو عن كثير من السَّيِّئات(١١).
وقرأ بعض أهل المدينة(١٢) (١٣) بالنصب بإضمار «أنْ » بعد الواو كنصبه في قول النابغة : شعراً :
٤٣٨٥ فَإنْ يَهْلِكْ أَبُو قَابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ النَّاسِ والبَلَدُ الحَرَامُ
وَنَأْخُذُ بَعْدَهُ بذنابِ عَيْشٍ أَجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ(١٤)
بنصب ونأخذ ورفعه وجزمه، وهذا كما ترى بالأوجه الثلاثة بعد الفاء في قوله تعالى : فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ [ البقرة : ٢٨٤ ] كما تقدم آخر البقرة ويكون قد عطف هذا المصدر المؤول من «أَنْ » المضمرة والفعل على مصدر متوهَّم(١٥) من الفعل قبله تقديره : أو يقع إيباقٌ، وعفوٌ عن كثيرٍ. فقراءة النصب كقراءة الجزم في المعنى إلا أن في هذه عطف مصدر مؤول على مصدر متوهم وفي تيك عطفُ فعل على مثله(١٦).
١ الكشاف ٣/٤٧١..
٢ بالمعنى من البحر ٧/٥٢١..
٣ بالمعنى من البحر ٤/٧٥٨..
٤ قاله البغوي في ٦/١٢٦ من معالم التنزيل..
٥ قاله ابن قتيبة في غريب القرآن ٣٩٣، واللسان "وبق" ٤٧٥٥..
٦ قاله الرازي في التفسير الكبير ٢٧/١٧٥..
٧ القرطبي في الجامع بتصرف ١٦/٣٣..
٨ البحر المحيط ٧/٥٢١..
٩ السابق وانظر الكشاف ٢/٤٧١ والقرطبي بدون نسبة فيهما ١٦/٣٣..
١٠ وهي قراءة ابن كثير وصلا ووقفا. السبعة ٣٥١ وهي من الآية ٩٠ من يوسف..
١١ بالمعنى من الكشاف ٣/٤٧١ وباللفظ من الدر المصون ٤/٧٥٩..
١٢ أخبر ابن مجاهد في السبعة ٥٨١، أنهم ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي..
١٣ زيادة من ب..
١٤ بيتان من تمام الوافر له مدحا في النعمان بن الحارث، والذباب عقب كل شيء، و "أجب الظهر" مقطوع السنام.
والشاهد في "وتأخذ" حيث يجوز فيه النصب والرفع والجزم فالجزم على العطف والنصب على الإضمار والرفع على الاستئناف، وقد تقدم..

١٥ أو متصيد..
١٦ البحر المحيط ٧/٥٢٠ والدر المصون ٤/٧٥٩..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية