قوله : الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً ١ اعلم أنه تقد تم الإخبارُ عنهم، ثم ابتدأ دالاً على نفسه بذكر مصنوعاته فقال : الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهاداً ولو كان هذا من جملة كلام الكفار لقالوا : الذي جعل لنا الأرض مِهَادًا، إلا أن قوله في أثناء الكلام : فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً لا يليق إلا بكلامه.
ونظيره من كلام الناس أن يسمع الرجل رجلاً يقول : الذي بنى هذا المسجدَ فلانٌ العَالِمُ فيقول السَّامع لهذا الكلام : الزاهدُ الكريمُ، كأن ذل السامع يقول : أنا أعرفه بصفات حميدةٍ فوق ما تعرفه فأَزِيدُ في وصفه، فيكون النعتان جميعاً من رجلين لرجل واحد٢.
ومعنى كون الأرض مهاداً واقعة ساكنة، فإنها لو كانت متحركة لما أمكن الانتفاع بها في الزراعة والأبنية، وستر عيوب الأحياء والأموات، ولأن المهدَ موضعَ راحة الصبي. فكانت الأرض مهاداً لكثرة ما فيها من الراحات وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وذلك أن انتفاع الناس بها إنما يكمل إذا سعوا في أقطار الأرض، فهيأ تعالى تلك السبل ووضع عليها علامات، ليحصل بها الانتفاع٣.
ثم قال : لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إلى مَقَاصِدِكم في أسفاركم، أو لتهتدوا إلى الحق في الدِّينِ٤.
٢ نقله الرازي في تفسيره ٢٧/١٩٦..
٣ الرازي في تفسيره ٢٧/١٩٦..
٤ الرازي في تفسيره ٢٧/١٩٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود