قُلْ ١، هو حكاية لما جرى بين المنذرين وبين أممهم، عند تعللهم بتقليد آبائهم، أي : قيل لكل نذير وأوحي إليه : أن قُلْ، وليس خطاباً لنبينا - عليه الصلاة والسلام - بدليل ما بعده من قوله : قالوا. . . الخ. وقيل : خطاب له عليه الصلاة والسلام، فتكون الجملة معترضة بين قصة المتقدمين ؛ لأن قوله :" قالوا " راجع للمتقدمين، وقرأ الشامي وحفص : قال أي : النذير : أوَ لَو جئتُكُم أي : أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم بأهدى ؛ بدين أهدى مما وجدتم عليه آباءكم من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء ؟ قالوا إِنا بما أُرسلتم به كافرون أي : قالت كل أمة لنذيرها : إنا ثابتون على ديننا، وإن جئتمونا بما هو أهدى وأهدى. وقد أجمل عند الحكاية ؛ للإيجاز، كقوله : يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [ المؤمنون : ٥١ ].
وترى كثيراً ممن خذله الله يقول : لو أراد الله هدايتي لهداني، ولا ينفع ذلك في هذه الدار، التي هي التكليف، بل يجب عليه النهوض، والقصد إلى أمر الله به، من حقوق العبودية، فإن منعته الأقدار فلينظر إلى الواحد القهّار، وإلا فالشقاء لازم له. وقد قالوا : مَن تحقق ولم يتشرّع فقد تزندق، ومَن تشرَع ولم يتحقق فقد تفسّق، ومَن جمع بينهما فقد تحقّق. فالواجب : النظر إلى تصريف الحقيقة في الباطن، والتمسُّك بالشريعة في الظاهر. وبالله التوفيق.
وقوله تعالى : بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة... الآية، فيه توبيخ لمَن تجمّد على تقليد أسلافه، وقد ظهر مَن هو أهدى منهم، ففيه نزعة جاهلية، وحمية من حميتهم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي