ﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

وقوله : إِنَّا جَعَلْنَاهُ جواب القسم. وهذا عندهم من البلاغة، وهو كون القسم والمقسم عليه من وادٍ١ واحدٍ، كقول أبي تمام :

٤٣٨٨. . . . . . . . . . . . . . وَثَنَايَاك إنَّها إغْريضُ٢
إن أريد بالكتاب القرآن، وإن أُرِيدَ به جنس الكتب المنزلة غير القرآن لم يكن من ذلك. والضمير في «جَعَلْنَاهُ » على الأول يعود على الكتاب وعلى الثاني للقرآن وإن لم يصرح بذكره٣. والجَعْلُ في هذا تصيير، ولا يلتفت لخطأ الزمخشري في تَجْوِيزِه أن يكون بمعنى خلقناه٤.

فصل


ذكر المفسرون في هذه الآية وجهين :
الأول : أن يكون التقدير هذه حم والكتاب المبين فيكون المقسم واقعاً على أن هذه السورة هي سورة حم.
الثاني : أن يكون القسم واقعاً على قوله : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً .
وفي المراد بالكتاب قولان :
أحدهما : أنه القرآن فيكون قد أقسم بالقرآن أنه جعله عربياً.
والثاني : المراد بالكتاب الكتابة والخط، أقسم بالكتاب لكثرة ما فيه من المنافع، ووصف الكتاب بأنه مبين أي أبان طريق الهدى من طريق الضلال، وأبان ما يحتاج٥ إليه الأمة من الشريعة وتسميته مبيناً مجاز ؛ لأن المبين هو الله تعالى وإنما سمي القرآن بذلك توسعاً من حيث إنه حصل٦ البيان عنده٧.
وقوله :«جَعَلْنَاهُ » أي صَيَّرْنَا قراءة هذا الكتاب٨ عربياً. بيّناه٩. وقيل : سميناه وقيل : وضعناه. يقال : جَعَلَ فُلاَنٌ زَيْداً عَالِماً، أي وصفه بهذا، كقوله : وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً [ الزخرف : ١٩ ] و جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ [ الحجر : ٩١ ] أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج [ التوبة : ١٩ ] كلها بمعنى الوصف والتسمية.

فصل احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه :


الأول : أنها تدل على أن القرآن مجعول، والمجعول هو المصنوع المخلوق. فإن قيل : المراد به أنه سماه عربيا، فهذا مدفوع من وجهين :
الأول : أنه لو كان المراد من الجعل التسمية لزم أن سماه عجمياً أنه يصير عجمياً، وإن كان بلغة العرب، وهذا باطل.
الثاني :( أنه ) لو صرف الجَعْلُ إلى التسمية لزم كونُ التسمية مجعولة، والتسمية أيضاً كلام الله وذلك أنه جعل بعض كلامه، وإذا صح ذلك في البعض صح في الكل.
الثاني : أنه وصفه بكونه قرآناً، وهو إنما سمي قرآناً، لأنه جعل بعضه مقروناً بالبعض، وما كان ذلك مصنوعاً.
الثالث : وصفه بكونه عربياً، وإنما يكون عربياً، لأن العرب اختصت بوضع ألفاضه واصطلاحهم، وذلك يدل على أنه مجعول. والتقدير : حَم وَرَبِّ الكِتَابِ المُبِينِ.
ويؤكد هذا بقولهن عليه الصلاة والسلام «يَا رَبَّ طَه وَيس، ويَا ربِّ القُرْآنِ العَظِيم »١٠.
وأجاب ابن الخطيب : بأن هذا الذي ذكرتموه حق ؛ لأنكم استدللتم بهذه الوجوه على كون الحروف المتواليات والكلمات المتعاقبة مُحْدَثَةً١١، وذلك معلوم بالضرورة وَمَنِ الذي ينازعكم فيه.
قله : لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ كلمة «لَعَلَّ » للتمني والترجي، وهي لا تليق بمن كان عالماً بعواقب الأمور، وكان١٢ المراد ههنا : إنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبيًِّا لأجل أن تُحِطُوا بمَعْنَاه١٣.
١ بالمعنى من الكشاف ٣/٤٤٧ وباللفظ من الدر ٤/٧٧٠..
٢ من بحر الخفيف وعجزه:
ولآل توم وبزق وميض .............................
والثنايا: جمع ثنية مقدم الأسنان من تحت ومن فوق ثنتان متقابلتان، والإغريض: الطلع ثم أطلق على البرد وهو حبات البلح الصغيرة. والتوم جمع تومة اللؤلؤة العظيمة. والشاهد في قوله: إنها إغريض حيث وقعت هذه الجملة جوابا للقسم وهي تعني الأسنان فاتحد القسم وجوابه معنى..

٣ انظر المرجعين الأخيرين السابقين..
٤ فقد قال في شرح الكشاف ٣/٤٧٧ أو بمعنى خلقناه معدى إلى واحد..
٥ في ب تحتاج بالتاء..
٦ انظر الرازي ٢٧/١٩٢ و١٩٣ وفي ب جعل بدل حصل..
٧ قاله الزمخشري في الكشاف ٣/٤٤٧..
٨ وهو رأي الزجاج انظر معاني القرآن ٤/٤٠٥..
٩ وهو رأي الزجاج انظر معاني القرآن ٤/٤٠٥..
١٠ لم أعثر عليه إلا في تفسير الإمام الرازي ٢٧/١٩٣..
١١ في الرازي: محدثة مخلوقة..
١٢ وفيه: فكان المراد منها..
١٣ وانظر الرازي المرجع السابق..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية