ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

وقال صلى الله عليه وسلم :" الدنيا خراب، وأخرب منها قلب مشتغل بها ". ومَن اشتغل بها غَفَلَ عن ذكر الرحمان، وسُلط عليه الشيطان، كما قال تعالى :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ .
قلت :" مَن يعش " : شرط وجواب. وحكي أن أبا عبد الله بن مرزوق دخل على ابن عرفة، فحضر مجلسه، ولم يعرفه أحد، فوجده يُفسر هذه الآية : ومَن يعش عن ذكر الرحمان ، فكان أول ما افتتح به - يعني ابن مرزوق - أن قال : وهل يصح أن تكون " مَن " هنا موصولة ؟ فقال ابن عرفة : وكيف، وقد جزمت ؟ فقال ابن مرزوق : جزمت تشبيهاً بالشرطية، فقال ابن عرفة : إنما يقدم على هذا بنص من إمام، أو شاهد من كلام العرب، فقال : أما النص ؛ فقال ابن مالك في التسهيل : وقد يحزم مسبب عن صلة الذي، تشبيهاً بجواب الشرط، وأما الشاهد فقوله :

فلا تَحْفِرَنْ بِئراً تُريدُ أخاً بها فإنك فيها أنتَ مِنْ دُونِهِ تَقَعْ
كذاك الذي يَبْغِي عَلَى ظالماً تُصِبْهُ على رَغْمِ عَوَاقِبُ ما صَنَعْ
فقال ابن عرفة : فأنت إذاً أبو عبد الله بن مرزوق ؟ فقال : نعم، فرحب به. وقال. والله ما ظلمناك. ه.
وقرأ ابن عباس :" يعشَ " - بفتح الشين، أي : يَعْم، من : عشى يعشى. وقُرئ :" يعشو " على أن " من " موصولة غير مضمنة معنى الشرط، وإلا جزمت كما تقدم. قلتُ : والذي يظهر من كلام التسهيل أن الموصول المضمَن معنى الشرط إنما يجزم الجواب لا الشرط، فتأمله، مع كلام ابن مرزوق. والشاهد الذي أتى به إنما فيه جزم الجواب لا الشرط، فلا يصح ما قاله ابن مرزوق باعتبار جزم لفظ الشرط. والله تعالى أعلم.
يقول الحق جلّ جلاله : ومَن يَعْشُ أي : يتعَامَ، أو : يعْم. والفرق بين القراءتين أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل : عشى يعشَى، وإذا ضعف بصره بلا آفة قيل : عشَى يعشو. والمعنى : ومَن يعرض عن ذكر الرحمان وهو القرآن، لفرط اشتغاله بزهرة الدنيا، وانهماكه في الحظوظ الفانية، فلم يلتفت إليه، ولم يعرف أنه حق - على قراءة الفتح - أو : عرف أنه حق وتعامى عنه، تجاهلاً، على قراءة الضم، نُقَيّضْ له شيطاناً فهو له قرينُ ، قال ابن عباس : نسلطه عليه فهو معه في الدنيا والآخرة، لا يفارقه، ولا يزال يوسوسه ويغويه. وفيه إشارة إلى أن مَن دام عليه لم يغوه الشيطان. وإضافته إلى " الرحمان " للإيذان بأن نزوله رحمة للعالمين، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، أي : ما ذكره الرحمان وأوحى به في كتابه، وقال ابن عطية : ما ذكّر الله به عباده من المواعظ. ويحتمل أن يريد مطلق الذكر، أي : ومَن يغفل عن ذكر الله نُسلط عليه شيطاناً، عقوبة على الغفلة، فإذا ذكر الله تباعد عنه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل مَن غفل عن ذكر الله تسلّط الشيطان على قلبه بالوسوسة والخواطر الردية، وقد ورد في الحديث :" إن قلب ابن آدم ملك وشيطان، فإذا ذكر الله قرب الملك منه وانخنس الشيطان، وإذا غفل عن ذكر الشيطان قرب منه، فلا يزال يوسوسه ويمنيه حتى يغفله عن الله. ولا شك أن الذكر الذي يصرف الشيطان عن القلب إنما هو الذكر القلبي لا اللساني، فكم من ذاكر بلسانه وقلبه مشغول بهواه، فذكر اللسان نتائجه الأجور، وذكر القلوب نتائجه الحضور ورفع الستور، وشتان بين مَن همّه الحور والقصور، ومَن همّه الحضور ورفع الستور، هذا من عامة أهل اليمين، وهذا من خاصة المقربين، فإذا أردت يا أخي ذكر القلوب، ولمعان أسرار الغيوب، فاصحب الرجالَ، حتى ينقلوك من عالم الطبيعة إلى عالم الروحانية، وإلا بقيت في عالم الأشباح.
قال القشيري : مَن لم يعرف قَدْرَ الخلوة مع اللّهِ، فحادَ عن ذكره، وأخلدَ إلى الخواطر الرديَّة، قيَّض اللّهُ له مَن يشغله عن الله - وهذا جزاء مَن تَرك الأدب في الخلوة. وإذا اشتغل العبدُ في خلوته مع ربَّه، وتعرَّض له مَن يشغله عن ربه، صَرَفه الحق عنه بأي وجْهٍ كان.. ويقال : أصعبُ الشياطين نَفْسُكَ، والعبدُ إذا لم يَعرفْ قدر فراغ قلبه، واتَّبَعَ شهوته، وفتح ذلك البابَ علَى نَفْسه، بقي في يد هواه أسيراً، لا يكاد يتخلصُ منه إلا بعد مُدة. هـ.
وقال في الإحياء : للشيطان جندان ؛ جند يطير، وجند يسير، والوسواس عبارة عن حركة جنده الطيار، والشهوة عبارة عن حركة جنده السيار. ثم قال : فتحقق أن الشيطان من المنظَرين، فلا يتواضع لك بالكف عن الوسواس إلى يوم الدين ؛ إلا أن تصبح وهمومك هم واحد، وهو الله، فيشتغل قلبك بالله وحده، فلا يجد الملعون مجالاً فيك، فعند ذلك تكون من عباد الله المخلّصين، الداخلين في الاستثناء من سلطنته. ولا تظن أن يفرغ منه قلب فارغ من ذكر الله، بل هو سيّال يجري من ابن آدم مجرى الدم، وسيلانه مثل الهواء في القدح، إن أردت أن يخلو عن الهواء من غير أن تشغله بالماء أو غيره، فقد طمعت في غير مطمع، بل بقدر ما يخلو من الماء يدخل فيه من الهواء لا محالة، فكذلك القلب المشغول بتفكُّر مهم في الدين، يخلو عن جولان الشيطان، وإلا فمَن غفل عن الله، ولو لحظة، فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان، وإلا فمَن غفل عن الله، ولو لحظة، فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان، ولذلك سبحانه : ومَن يعش عن ذكر الرحمان نُقيض له شيطاناً فهو له قرين . هـ. المراد منه.
وكل مَن عوّق الناس عن طريق الحق يصدق عليه قوله : وإِنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ، فإذا تحققت الحقائق، وارتفع الغطاء، وظهر الصواب من الخطأ، قال للذي صدّه عن طريق القوم : يا ليت بيني وبينك بُعد المشرقين فبئس القرين، فيقول الحق جلّ جلاله : ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنفسكم حيث حرمتموها من الوصول إليّ أنكم من عذاب الحجاب مشتركون. ويُقال لمَن وعظ ودعا إلى الله، فلم يُقبل منه : أفأنت تُسمع الصُّم... الآية. فإما نذهبنَّ بك بالموت، فيقع الندم عليك، أو نُرينك الذي وعدناهم من العز لك والنصر، والانتقام ممن آذى أولياء الله، فإنا عليهم مقتدرون.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير