ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون قوله عز وجل: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعرض، قاله قتادة. الثاني: يعمى، قاله ابن عباس. الثالث: أنه السير في الظلمة، مأخوذ من العشو وهو البصر الضعيف، ومنه قول الشاعر:
| (لنعم الفتى تعشو إلى ضوءِ ناره | إذا الريحُ هبّت والمكان جديب) |
| (أخذنا بآفاق السماء عليكم | لنا قمراها والنجوم الطوالع) |
أحدهما: إما نخرجنك من مكة من أذى قريش فإنا منهم منتقمون بالسيف يوم بدر. الثاني: فإما نقبض روحك إلينا فإنا منتقمون من أمتك فيما أحدثوا بعدك. وروي أن النبي ﷺ أُرِي ما لقيت أمته بعده فما زال منقبضاً ما انبسط ضاحكاً حتى لقي الله تعالى. قوله عز وجل: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ يعني القرآن ذكر لك [ولقومك]. وفي لَذِكْرٌ قولان: أحدهما: الشرف، أي شرف لك ولقومك، قاله ابن عباس. الثاني: أنه لذكر لك ولقومك تذكرون به أمر الدين وتعملون به، حكاه ابن عيسى. وَلِقَوْمِكَ فيه قولان: أحدهما: من اتبعك من أمتك، قاله قتادة. الثاني: لقومك من قريش فيقال: ممن هذا الرجل؟ فيقال: من العرب، فيقال: من أي العرب؟ فيقال: من قريش، قاله مجاهد. وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ فيه وجهان: أحدهما: عن الشكر، قاله مقاتل. الثاني: أنت ومن معك عما أتاك، قاله ابن جريج. وحكى ابن أبي سلمة عن أبيه عن مالك بن أنس في قوله وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ أنه قول الرجل حدثني أبي عن جدي. قوله عز وجل: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ فيه ثلاثة أقاويل:
صفحة رقم 227
أحدها: يعني الأنبياء الذين جمعوا له ليلة الإسراء، قاله ابن عباس، وابن زيد، وكانوا سبعين نبياً منهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فلم يسألهم لأنه كان أعلم بالله منهم، قاله ابن عباس. الثاني: أهل الكتابين التوراة والإنجيل، قاله قتادة، والضحاك، ويكون تقديره سل أمم من أرسلنا من قبلك من رسلنا. الثالث: جبريل، ويكون تقديره. واسأل عما أرسلنا من قبلك من رسلنا، حكاه النقاش. أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةً يُعْبَدُونَ وسبب هذا الأمر بالسؤال أن اليهود والمشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن ما جئت به مخالف لمن كان قبلك، فأمره الله بسؤالهم لا لأنه كان في شك منه. واختلف في سؤال النبي ﷺ لهم على قولين: أحدهما: أنه سألهم، فقالت الرسل بعثنا بالتوحيد، قاله الواقدي. الثاني: أنه لم يسأل ليقينه بالله تعالى، حتى حكى ابن زيد أن ميكائيل قال لجبريل: هل سألك محمد ذلك؟ فقال جبريل: هو أشد إيماناً وأعظم يقيناً من أن يسألني عن ذلك.
صفحة رقم 228النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود