وقالوا آلهتُنا خيرٌ أَمْ هو يعني أن آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى، فإذا كان عيسى من حصب جهنم كان أمر آلهتنا هيناً. أو : فإذا كان عيسى في النار، فلا بأس بكوننا مع آلهتنا فيها. قال تعالى : ما ضربوه لك إِلا جَدَلا أي : ما ضربوا لك ذلك المثل إلا لأجل الجدال والخصام، لا لطلب الحق حتى يذعنوا له عند ظهوره، بل هم قوم خَصِمُونَ أي : لُدّاً، شِدَاد الخصومة، مجبولون على اللجاج، وذلك أن الآية إنما قصدت الأصنام، بدليل التعبير ب " ما "، إلا أن ابن الزبعرى حدا عنه لمّا رأى كلام الله تعالى محتملاً لفظُه للعموم، مع علمه بأن المراد به أصنامهم، وجد للحيلة مساغاً، فصرف اللفظ إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله، على طريق اللجاج والجدال والمكابرة، وتوقَّح في ذلك، فصمت عنه صلى الله عليه وسلم حتى أجاب عنه ربه.
وقيل : لما سمعوا قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ. . . [ آل عمران : ٥٩ ] الآية، قالوا : نحن أهدى من النصارى، لأنهم عبدوا آدمياً، ونحن نعبد الملائكة، فنزلت.
فقولهم : آلهتنا خير، هو حينئذ تفضيل لآلهتهم على عيسى عليه السلام ؛ لأن المراد بهم الملائكة. ومعنى : ما ضربوه. . . الخ : ما قالوا هذا القول إلا للجدال. وقيل : لما نزل : إن مثل عيسى عند الله. . الآية، قالوا : ما يريد محمد إلا أن نعبده كما عبد النصارى المسيح. ومعنى " يصدون " : يضجون ويسخرون، والضمير على هذا في " أَم " هو لمحمد صلى الله عليه وسلم، وغرضهم ومرادهم بالموازنة بينه وبين آلهتهم الاستهزاء به صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون مرادهم التنصُّل عما أنكر عليهم من قولهم : الملائكة بنات الله، ومن عبادتهم لهم، كأنهم قالوا : ما قلنا بدعاً من القول، ولا فعلنا منكراً من الفعل، فإنَّ النصارى جعلوا المسيح ابن الله، وعبدوه، فنحن أرشد منهم قولاً وفعلاً، حيث نسبنا له الملائكة، وهم نسبوا إليه الأناسي.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي