تفسير المفردات : جدلا : أي خصومة بالباطل، خصمون : أي شديدو الخصومة مجبولون على اللجاج وسوء الخلق.
المعنى الجملي : روى محمد بن إسحاق في السيرة :( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوما في المسجد مع الوليد بن المغيرة، فجاء النضر بن الحارث وجلس معهم وفي المسجد غير واحد من رجالات قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليهم : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ( الأنبياء : ٩٨ )، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأقبل عبد الله بن الزبعرى التميمي وجلس فقال له الوليد بن المغيرة : والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال ابن الزبعرى : أما والله لو وجدته لخصمته، سلوا محمدا، أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده ؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، فإنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته )وأنزل الله عز وجل : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ( الأنبياء : ١٠١ )أي عيسى وعزير ومن عبد معهما، فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلال أربابا من دون الله، ونزل فيما يذكر من أمر عيسى عليه السلام وأنه يعبد من دون الله ولما ضرب ابن مريم مثلا الآية.
الإيضاح : وقالوا أآلهتنا خير أم هو أي إن آلهتنا ليست خيرا من عيسى، فإذا كان عيسى من حصب جهنم كان أمر آلهتنا أهون.
ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون أي ما ضربوا لك المثل إلا لأجل الجدل و الغلبة في القول لا لإظهار الحق، فإن قوله : إنكم وما تعبدون من دون الله إنما ينطلق على الأصنام والأوثان ولا يتناول عيسى والملائكة، ولكنهم قوم ذوو لدد في الخصومة، مجبولون على سوء الخلق واللجاج.
قال صاحب الكشاف : إن ابن الزبعرى بخبه وخداعه وخبث دخلته لما رأى كلام الله ورسوله محتملا لفظه وجه العموم مع علمه بأن المراد به أصنامهم لا غير – وجد للحيلة مساغا فصرف معناه إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله، على طريقة المحك والجدال وحب المغالبة والمكابرة وتوقح في ذلك، فتوقر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجاب عنه ربه بقوله : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ( الأنبياء : ١٠١ ) فدل به على أن الآية خاصة في الأصنام ا. ه.
أخرج سعيد بن منصور وأحمد في جماعة عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل )، ثم تلا هذه الآية.
تفسير المراغي
المراغي