قَوْله تَعَالَى: قل إِن كَانَ للرحمن ولد فَأَنا أول العابدين الْآيَة مشكلة، وفيهَا أَقْوَال: أَحدهَا: قَول مُجَاهِد، وَهُوَ أَن مَعْنَاهُ: قل إِن كَانَ للرحمن ولد على زعمكم فَأَنا أول العابدين أَنه إِلَه لَا ولد لَهُ وَلَا شريك لَهُ، وَأَن مَا قلتموه بَاطِل وَكذب، وَهَذَا أحسن الْأَقَاوِيل.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن " إِن " هَاهُنَا بِمَعْنى " مَا "، وَمَعْنَاهُ: قل مَا كَانَ للرحمن ولد وَتمّ الْكَلَام، ثمَّ قَالَ: فَأَنا أول العابدين، وَأهل النَّحْو يستبعدون هَذَا، وَيَقُولُونَ: لَا يجوز أَن تكون " إِن " بِمَعْنى " مَا " إِلَّا على بعد عَظِيم.
وَالْقَوْل الثَّالِث: قل إِن كَانَ للرحمن ولد فَأَنا أول العابدين أَي: الآنفين، يُقَال: عبد إِذا أنف، قَالَ الفرزدق:
(أُولَئِكَ آبَائِي فجئني بمثلهم... وأعبد أَن يهجى كُلَيْب بدارم) أَي: آنف. وَحكى بَعضهم: أَن عليا رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قيل لي: إِنَّك قتلت عُثْمَان فعبدت وَسكت أَي: أنفت.
وَحَقِيقَة الْمَعْنى فِي الْآيَة على هَذَا القَوْل: أَنى غضب (وَله غضب) أنف أَن ينْسب إِلَيْهِ ولد كَمَا تَزْعُمُونَ.
رب السَّمَوَات وَالْأَرْض رب الْعَرْش عَمَّا يصفونَ (٨٢) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حَتَّى يلاقوا يومهم الَّذِي يوعون (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه وَهُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم (٨٤) وتبارك الَّذِي لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَعِنْده علم السَّاعَة وَإِلَيْهِ ترجعون (٨٥) وَلَا يملك الَّذين يدعونَ من دونه الشَّفَاعَة إِلَّا من شهد
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن هَذَا على النَّفْي من الْجَانِبَيْنِ بِمَعْنى: إِن كَانَ للرحمن ولد فَأَنا أول العابدين، وَلَيْسَ لَهُ ولد وَلَا أَنا أول عَابِد، وَهَذَا كَالرّجلِ يَقُول لغيره: إِن كنت كَاتبا فَأَنا حاسب يَعْنِي: لست بكاتب وَلَا أَنا حاسب، وَحكى هَذَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة والسدى.
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم