ثم رد على زعم اتخاذ الولد لله تعالى، كعيسى والملائكة، فقال :
قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .
يقول الحق جلّ جلاله : قلْ يا محمد إن كان للرحمان ولدٌ على زعمكم فأنا أول العابدين لله، كان أو لم يكن، ويسمى هذا إرخاء العنان، أي : أنا أول مَن يخضع لله، كان له ولد أو لم يكن، وقد قام البرهان على نفيه. قال معناه السدي، أو : وإن كان للرحمان ولد فأنا أول مَن يعظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته، والانقياد إليه، كما يعظم ولد الملِك، لتعظيم أبيه ؛ وهذا الكلام وارد على سبيل الفرض، والمراد : نفي الولد، وذلك أنه علَّق العبادة بكينونة الولد، وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالاً مثلها، ونظيره، قول سعيد بن جبير للحجاج - حين قال له : والله لأبدلنَّك بالدنيا ناراً تلظى - : لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلهاً غيرك. أو : إن كان للرحمان ولد في زعمكم فأنا أول العابدين أي : الموحِّدين لله، المكذِّبين قولكم، بإضافة الولد إليه ؛ لأن مَن عَبَدَ الله، واعترف بأنه إلهه فقد دفع أن يكون له ولد. أو : إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين، أي : الجاحدين والآنفين من أن يكون له ولد، مِن عبَدِ : بكسر الباء : إذا اشتد أنفسه فهو عبَد وعابد، ومنه قول الشاعر١ :
| متى ما يشاء ذو الوُدِّ يَصْرِمْ خَليلَهُ | ويَعْبَدْ عليه لا محالةَ ظالما |
| قال ما يجب على عابد الحقّ | قال يحلف بالإله الخلق |
رُوي : أن النضر قال : إن الملائكة بنات الله، فنزلت الآية، فقال النضر : ألا ترون أنه صدّقني ؛ فقال الوليد : ما صدّقك، ولكن قال : ما كان للرحمان ولداً، فأنا أوّل الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له. وسيأتي في الإشارة قول آخر.
قال القشيري : وفي الآية وأمثالها دليل على جواز حكاية قول المبتدعة فيما أخطأوا فيه في الاعتقاد، على وجه الردّ عليهم. ه. قلت : ولا تجوز مطالعة أقوالهم إلا لمَن رسختْ قدمه في المعرفة، والإعراض عنها أسلم.
سورة الزخرف
مكية. وهي تسع وثمانون آية. ومناسبتها لما قبلها قوله : ما كنت تدري ما الكتاب... [ الشورى : ٥٢ ] الخ، مع قوله : والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا ، فإنه تتميم له.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي