قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون قوله عز وجل: قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ فيه ستة أقاويل: أحدها: إن كان للرحمن ولد فأنا أول من يعبد الله ليس له ولد، قاله ابن زيد. ومجاهد. الثاني: معناه فأنا أول العابدين، ولكن لم يكن ولا ينبغي أن يكون، قاله قتادة.
صفحة رقم 240
الثالث: قل لم يكن للرحمن ولد وأنا أول الشاهدين بأن ليس له ولد. قاله ابن عباس. الرابع: قل ما كان للرحمن ولد، وهذا كلام تام ثم استأنف فقال: فأنا أول العابدين أي الموحدين من أهل مكة، قاله السدي. الخامس: قل إن قلتم إن للرحمن ولداً فأنا أول الجاحدين أن يكون له ولد، قاله سفيان. السادس: إن كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين أن يكون له ولد، قاله الكسائي وابن قتيبة، ومنه قول الفرزدق:
| (أولئك آبائي فجئني بمثلهم | وأعْبُدُ أن أهجو تميماً بدارم) |
الثاني: أن الشفاعة استعطاف المشفوع إليه فيما يرجى، واستصفاحه فيما يخشى وهو قول الجمهور. وقيل إن سبب نزولها ما حكي أن النضر بن الحارث ونفراً من قريش قالوا إن كان ما يقوله محمد حقاً فنحن نتولى الملائكة، وهم أحق بالشفاعة لنا منه فأنزل الله تعالى وَلاَ يَمْلِكُ الِّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ معناه الذين يعبدونهم من دون الله وهم الملائكة الشفاعة لهم. وقال قتادة: هم الملائكة وعيسى وعزير لأنهم عبدوا من دون الله. إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ فيه وجهان: أحدهما: يعني أن الشهادة بالحق إنما هي لمن شهد في الدنيا بالحق وهم يعلمون أنه الحق فتشفع لهم الملائكة، قاله الحسن. الثاني: أن الملائكة لا تشفع إلا لمن شهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون أن الله ربهم. قوله عز وجل: وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يَؤْمِنُونَ وهي تقرأ على ثلاثة أوجه بالنصب والجر والرفع. فأما الجر فهي على قراءة عاصم وحمزة، وهي في المعنى راجعة إلى قوله تعالى وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وعلم قيلِه. وأما الرفع فهو قراءة الأعرج، ومعناها ابتداء، وقيله، قيل محمد، يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. والقيل هو القول. وأما النصب فهي قراءة الباقين من أئمة القراء، وفي تأويلها أربعة أوجه: أحدها: بمعنى إلا من شهد بالحق وقال قيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، على وجه الإنكار عليهم، قاله ابن عيسى. الثاني: أنها بمعنى أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيلَه يا رب، قاله يحيى بن سلام.
صفحة رقم 242
الثالث: بمعنى وشكا محمد إلى ربه قيله، ثم ابتداء فأخبر يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلآءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ، قاله الزجاج. قوله عز وجل: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ قال قتادة: أمره بالصفح عنهم، ثم أمره بقتالهم فصار الصفح منسوخاً بالسيف. ويحتمل الصفح عن سفههم أن يقابلهم عليه ندباً له إلى الحلم. وَقُلْ سَلاَمٌ فيه خمسة أوجه: أحدها: أي قل ما تسلم به من شرهم، قاله ابن عيسى. الثاني: قل خيراً بدلاً من شرهم؛ قاله السدي. الثالث: أي احلم عنهم؛ قاله الحسن. الرابع: أنه أمره بتوديعهم بالسلام ولم يجعله تحية لهم؛ حكاه النقاش. الخامس: أنه عرفه بذلك كيف السلام عليهم؛ رواه شعيب بن الحباب. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ يحتمل أمرين: أحدهما: فسوف يعلمون حلول العذاب بهم. الثاني: فسوف يعلمون صدقك في إنذارهم، والله أعلم.
صفحة رقم 243النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود