ﭠﭡﭢﭣﭤ

فيها يُفرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم استئناف أيضاً مبين لسر تخصيص هذه الليلة بالإنزال، أي : إنما أنزلناه في هذه الليلة المباركة، لأنها فيها يُفرق كل أمر حكيم.
أي : ذي حكمة بالغة، ومعنى " يُفرق " : يفصل ويكتب كل أمر من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم، من هذه الليلة إلى ليلة القدر المستقبلة، وقيل : الضمير في " فيها " يرجع لليلة النصف، على الخلاف المتقدم.
وروى أبو الشيخ، بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : يمحو الله ما يشاء ويثبت قال :" ليلة النصف من شعبان، يُدبر أمر السنة، فيمحو ما يشاء ويُثبت غيره ؛ الشقاوة والسعادة، والموت والحياة ". قال السيوطي : سنده صحيح لا غُبار عليه ولا مطعن فيه. ه. وروي عن ابن عباس : قال : إن الله يقضي الأقضية كلها ليلة النصف من شعبان، ويسلمها إلى أربابها ليلة القدر. وفي رواية : ليلة السابع والعشرين من رمضان، قيل : وبذلك يرتفع الخلاف أن الأمر يبتدأ في ليلة النصف من شعبان، ويكمل في ليلة السابع والعشرين من رمضان١. والله أعلم.
وقوله تعالى : حكيم الحكيم : ذو الحكمة، وذلك أن تخصيص الله كل أحد بحالة معينة من الرزق والأجل، والسعادة والشقاوة، في هذه الليلة، يدلّ على حكمة بالغة ؛ فأسند إلى الليلة لكونها ظرفاً، إسناداً مجازياً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : حم ، قال الورتجبي : الحاء : الوحي الخاص إلى محمد، والميم : محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك الوحي الخاص بلا واسطة خبرٌ عن سر في سر، لا يطلع على ذلك - الذي بين المحب والمحبوب - أحد من خلق الله، ألا ترى كيف قال سبحانه : فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [ النجم : ١٠ ] ؟ وذلك إشارة إلى وحي السر في السر، وجملتها قسم، أي بمعنى الوحي السري والمحبوب، والقرآن الظاهر الذي ينبئ عن الأسرار، إنا أنزلناه هـ. قال القشيري : الحاء تشير إلى حقِّه، والميم إلى محبته، ومعناه : بحقي ومحبتي لعبادي، وكتابي العزيز إليهم، ألا أُعَذِّب أهلَ محبتي بفرقتي. هـ.
والليلة المباركة عند القوم، هي ليلة الوصال والاتصال، حين يُمْتَحى وجودُهم، ويتحقق فناؤهم، وكل وقت يجدون فيه قلوبهم، ويفقدون وجودهم ؛ فهو مبارك، وهو ليلة القدر عندهم، فإذا دام اتصالهم، كانت أوقاتهم كلها ليلة القدر، وكلها مباركة. قال الورتجبي : قوله تعالى : في ليلة مباركة كانت مباركة لتجلِّي الحق فيها بالأقضية، والرحمة غالبة فيها، ومن جملتها : إنزال القرآن فيها ؛ فإنه افتتاح وصلة لأهل القرية. هـ.
قال القشيري : وسمّاها ليلة مباركة ؛ لأنها ليلة افتتاح الوصلة، وأشدُّ الليالي بركةً، ليلةٌ يكون العبد فيها حاضراً بقلبه، مشاهداً لربه، يتنسّم بأنوار الوصلة، ويجد فيها نسيم القربة، وأحوال هذه الطائفة في لياليهم مختلفة، كما قالوا، وأنشدوا١ :

لا أَظْلِمْ الليلَ ولا أَدَّعي أنّ نُجومَ الليلِ ليست تَغُورُ
لَيْلِي كما شَاء فإن لم يَزرْ طالَ، وإن زار فلَيْلي قَصيرُ
هـ.
أي : لَيْلِي كما شاء المحبوب، فإن لم يزرني طال ليلِي، وإن زارني قَصُر. والحاصل : أن أوقات الجمال والبسط كلها قصيرة، وأوقات الجلال كلها طويلة، وقوله تعالى : فيها يُفرق كل أمر حكيم أي : في ليلة الوصال تفرق وتبرز الحِكَم والمواهب القدسية، بلا واسطة، بل أمراً من عندنا، والغالب أن هذه الحالة لا تكون إلا عند الحيرة والشدة من الفاقة أو غيرها، وكان بعض العارفين من أشياخنا يستعدُّون فيها لكتب المواهب، ويسمونها ليلة القدر.
وقوله تعالى : إِنّا كنا مرسلين رحمةً من ربك هو الرسول صلى الله عليه وسلم قال :" أنا الرحمة المهداة " ٢، فرحمة مفعول به، إِنه هو السميع العليم قال القشيري : السميع لأنين المشتاقين، العليم بحنين المحبين. هـ. لا إِله إلا هو أي : لا يستحق أن يَتَأله ويُعشق إلا هو، يُحيي ويميت يُحيي قلوب قوم بمعرفته ومحبته، ويُميت قلوباً بالجهل والبُعد، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. ثم وصف أهل الجهل والبُعد بقوله : بل هم في شك يلعبون وأما أهل المعرفة والقُرب فهم في حضرة محبوبهم يتنعّمون، ومن روح وصاله يتنسّمون. قال القشيري : واللعب يجري على غير ترتيب، تشبيهاً باللعاب الذي يسيل لا على نظام مخصوص، ووصف الكافر باللعب لتردُّده وشكِّه وتحيُّره في عقيدته. هـ.

١ في هامش النسخة الأم ما يلي: كيف يرتفع، والله تعالى يقول فيها - أي: الليلة المباركة "يفرق كل أمر حكيم" وهي ليلة القدر؟ على أنه: أي إشكال لكلام الله تعالى مع كلام غيره، والمرفوع بذلك ضعيف أيضا، فلا إشكال من كل جهة، ولله الحمد. هـ..

فيها يُفرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم استئناف أيضاً مبين لسر تخصيص هذه الليلة بالإنزال، أي : إنما أنزلناه في هذه الليلة المباركة، لأنها فيها يُفرق كل أمر حكيم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير