وآتيناهم بيناتٍ من الأمر دلائل ظاهرة من أمر الدين، ومعجزات قاهرة. قال ابن عباس : هو العلم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وما بُيّن لهم من أمره، وأنه يُهاجر من تهامة إلى يثرب، ويكون أنصاره أهل يثرب، فَما اختلفوا في ذلك الأمر إِلا من بعد ما جاءهم العلمُ بحقيقته وحقيّته، فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجباً له، بغياً بينهم أي : عداوة وحسداً، حدث بينهم، لا شك وقع لهم فيه، إِن ربك يقضي بينهم يوم القيامة بالمؤاخذة والجزاء فيما كانوا فيه يختلفون من أمر الدين.
الإشارة : كانت بنو إسرائيل في أول أمرها متمسكة بكتاب ربها، عاملة بما شرعت لها أنبياؤها، فرفع الله بذلك قدرها، حتى تحاسدوا، وتهاجروا على الدنيا والرئاسة، فأعقبهم الله ذل الأبد، فهذه سُنَّة الله تعالى في عباده، مَن تمسّك بالكتاب والسنّة، وزهد في الدنيا، وتواضع لعباد الله، رفعه الله وأعزّه، فإذا خرج عن هذا الوصف انعكس حاله إلى أسفل، والعياذ بالله.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي