تفسير المفردات : بينات من الأمر : أي دلائل واضحات في أمر الدين، ويندرج فيها معجزات موسى عليه السلام، بغيا : أي حسدا وعنادا.
المعنى الجملي : اعلم أن الله سبحانه بين أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم كثيرة، وقد حصل بينهم الاختلاف بغيا وحسدا، وجاء ذكر هذا تسلية لرسوله بأن قومه ليسوا ببدع في الأمم، بل طريقهم طريق من تقدمهم، ثم أمر رسوله بأن يتمسك بالحق، ولا يكون له غرض سوى إظهاره، ولا يتبع أهواء الجاهلين الضالين، ثم ذكر أن القرآن معالم للهداية تهتدي بها القلوب الضالة عن طريق الحق، فتلزم الجادة وتصل إلى طريق النجاة.
( ١ )إنزال التوراة على موسى فيها معالم للهدى وشرائع للناس تهديهم إلى سواء السبيل.
( ٢ )إرسال الرسل، فكثر فيهم الأنبياء بما لم يكن لأمة مثله.
( ٣ )القضاء بين الناس والفصل في خصوماتهم، إذ كان الملك فيهم، فاجتمع لهم حكم الدين وحكم الدنيا.
( ٤ )إيتاؤهم طيبات الأرزاق، فكانوا ذوي ترف ونعيم في معايشهم، وكان منهم الملوك ذوو الحظ الأوفر من العظمة والفضل وسعة الجاه والأمر والنهي وبسطة العيش كداود وسليمان عليهما السلام.
( ٥ )تفضيلهم على الناس جميعا، إذ لم يكن في أمة أنبياء كما كان فيهم، ولم يجمع الله بين الملك والنبوة في شعب كما اجتمع فيهم، فهم أرفع الشعوب منقبة.
قال ابن عباس : لم يكن أحد من العالمين أكرم على الله ولا أحب إليه منهم اهـ. وقد آتاهم من الآيات المرئية والمسموعة وأكثر فيهم من الأنبياء بما لم يفعله بغيرهم ممن سبق.
( ٦ )إيتاؤهم أحكاما ومواعظ مؤيدة بالمعجزات، وقد كان هذا مما يستدعي ألفتهم واجتماعهم، وكانوا كذلك لا يختلفون إلا اختلافا يسيرا لا يضر مثله، فلما جاءهم العلم اختلفوا كما أشار إلى ذلك بقوله :
فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم أي فما حدث فيهم هذا الخلاف إلا بعد قيام الحجة طلبا للرياسة وحسدا فيما بينهم، وقد سبق تفصيله في سورة حم عسق.
ثم وكل سبحانه أمر المختلفين إليه للقضاء بينهم يوم القيامة فقال :
إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون أي إن ربك سبحانه يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بغيا وحسدا فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا بعد العلم الذي آتاهم، والبيان الذي جاءهم منه، ويجعل الفلج للمحق على المبطل، والمقصد من هذا أنه لا ينبغي أن يغتر المبطل بنعم الدنيا، فإنها وإن ساوت نعم المحق أو زادت عليها، فهو سيرى في الآخرة ما يسوءه.
وفي هذا تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم، وأن تسير على نهجهم.
تفسير المراغي
المراغي