وإِذا قيل إِنَّ وعد الله أي : وكنتم إذا قيل لكم : إن وعد الله بالجزاء حقٌّ والساعةُ لا ريبَ فيها أي : في وقوعها قلتم ما ندري ما الساعةُ أيّ شيء هي الساعة، استهزاء بها، إِن نظنُّ إِلا ظناً أصله : نظن ظناً، ومعناه : إثبات الظن، فحسب، فأدخل حرف النفي والاستثناء ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه. وقال المبرد : أصله : إن نحن إلا نَظُن ظناً، وإنما أوَّله ؛ لأنه لا يصح التفريع في المصدر المؤكد، لعدم حصول الفائدة، إذ لا معنى لقولك : لا نضرب إلا ضرباً، وجوابه : إن المصدر نوعي لا مؤكد، أي : ظناً حقيراً ضعيفاً. وفي الآية اللف والنشر المعكوس. فقوله : قلتم ما ندري ما الساعة راجع لقوله : والساعة لا ريب فيها ، وقوله : إن نظن إلا ظناً راجع لقوله : إن وعد الله حق ، وكذا قوله : وما نحن بمستيقنين أي : لا يقين عندنا، وهو راجع لقوله إن وعد الله حق . قاله ابن عرفة. ولعل هؤلاء غير القائلين : ما هي إلا حياتنا الدنيا والله أعلم.
الإشارة : قل الله يُحييكم الحياةَ الفانية، ثم يُميتكم عن حظوظكم، وعن شهود وجودكم، ثم يجمعكم به إلى يوم القيامة، لا يعزلكم عن رؤيته أبداً، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن هذا يقع في الدنيا، مع أن المُلك لله يتصرف فيه كيف شاء، يُوصِّل مَن أراد، ويُبعد مَن شاء. ويوم تقوم الساعة يخسر الباطلون والمبطلون، ويفوز المجتهدون والواصلون. وترى كُلَّ أمة جاثية من هيبة المتجلِّي باسمه القهّار، وهذه القهرية - نعم - لا ينجو منها خاص ولا عام ؛ لأن الطبع البشري يثبت عند صدمات الجلال. وقوله تعالى : كل أمة تُدعى إلى كتابها هو أيضاً عام، فيستبشر المجتهدون، ويحزن البطالون، ولا يظلم ربك أحداً، فاليوم يوم عمل، وغداً يوم جزاء، فأهل الإيقان يفوزون بغاية النعيم والرضوان، وأهل الشك يخلدون في الخسران، فيظهر لهم ما لم يكونوا يحتسبون، كما قال : وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ * ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ * فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعِزِيزُ الْحَكِيمُ .
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي