تفسير المفردات : اختلاف الليل والنهار : أي تعاقبهما، ليل بعد نهار ونهار بعد ليل، من رزق : أي من مطر، وسمي بذلك ؛ لأنه سبب له، وتصريف الرياح : أي تغييرها من جهة إلى أخرى، ومن حال إلى حال.
الإيضاح : واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون أي وإن في تعاقب الليل والنهار عليكم، هذا بظلمته وسواده، وذاك بنوره وضيائه، وفيما أنزل الله من السماء من مطر تحيا به الأرض بعد موتها، فتهتز بالنبات والزرع من بعد جدوبها وقحوطها، فتخرج أرزاق العباد وأقواتهم، وفي تصريف الرياح لمنافعكم شمالية مرة وجنوبية أخرى، صبا مرة، ودبورا أخرى، لأدلة وحججا لله على خلقه الذين يعقلون عنه حججه ويفهمون ما وعظهم به من الآيات والعبر.
وقصارى ما سلف : إنكم إذا تأملتم الحكم المنبثة في السماوات والأرض آمنتم بوحدة خالقها وقدرته، فإذا ازددتم علما، ازداد تثبتكم وفهمكم، فصرتم موقنين بها ؛ لأن الإيقان يكون بتوافر الأدلة وتكاثرها، ومتى أيقنتم بجمال هذا الكون وحسن نظامه أصبحتم من ذوي العقول الناضجة، والأفكار النافذة في أسرار هذا الكون وبديع صنعه، فتستطيعون أن تنتفعوا بما فيه وتسخروه لمنافعكم في هذه الحياة المليئة بالمطالب.
وإجمال ذلك : إن أول المراتب الإيمان بالله، فإذا ازداد المرء علما وحكمة وبحثا في دقائق الأشياء وعظائمها أصبح موقنا به، وكلما ازداد بحثا ازداد عقله دراية وفهما لأسرار هذا الكون، فسخره لمنافعه، واستفاد من نظمه التي وجد عليها وعرف أنه لم يخلق عبثا، بل خلق للانتفاع بما في ظاهره وباطنه، علويه وسفليه، أرضه وسمائه، نوره وظلامه، فكأنه يقول : إنا أمرناكم بالنظر في العالم لتؤمنوا، فإذا ازددتم علما أيقنتم بي، وذلك كله مما يربي عقولكم، ويكملها إلى أقصى حدود طاقتها البشرية.
تفسير المراغي
المراغي