٢- وأوامر بالرد عليهم بقوله إني لو كنت مفتريا على الله فإني أكون قد استحققت غضبه وهو قادر على إنزال نقمته وصب بلائه عليّ ولا يملك أحد حمايتي منه وهو أعلم بما تقولون من أقوال وتتهمونني به من تهم. وهو شهيد عادل بيني وبينكم وكفى به شهيدا. وهو المتصف مع ذلك بالمغفرة والرحمة وعلمه متسع لأقوالكم المثيرة. وإني لست بدعا في دعوتي ورسالتي فقد سبقني رسل دعوا مثلي إلى الله، ونزل عليهم كتب من الله. وإن قصاراي أن أنذركم وأبلغكم ثم أقف عند حدود ما يوحي الله به إليّ. ولا أدري ما سوف يفعله الله في المستقبل بي وبكم.
وواضح أن الآيات هي استمرار في حكاية موقف المناظرة والحجاج بين النبي ﷺ والمشركين التي بدىء بها في الآيات السابقة. والاتصال بينهما قائم سياقا وموضوعا، وأسلوبها قوي أخّاذ ومفحم معا وموجه إلى القلوب والعقول وبخاصة ما أمر النبي ﷺ بقوله في ردّ تهمة افتراء القرآن.
وجملة وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ في مقامها رائعة ذات مغزى بديع، وهي أن غفران الله ورحمته تتسعان للناس رغم ما يصدر منهم من أقوال بذيئة فيها سوء أدب نحو الله ورسله، ومن انحراف عن طريق الحق والهدى. وهذا يجعله لا يعجل لهم بالعذاب ويمد لهم لعلهم يرجعون ويهتدون وإليه مرجعهم في الآخرة حيث يحق العذاب على من بقي مصرا على موقفه وهذا المعنى قد تكرر بأساليب مختلفة مرّت أمثلة عديدة منه في السور السابقة.
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ١٠]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)
. الضمير في مِثْلِهِ عائد إلى القرآن على ما قاله جمهور المؤولين وما يفيده فحوى الآية. وقد تضمنت أمرا للنبي ﷺ بسؤال الكفار سؤال المستنكر المندد عن عنادهم واستكبارهم وقد شهد من بني إسرائيل شاهد على صدق مثله
وهو التوراة التي أوحى الله بها إلى موسى عليه السلام ثم آمن به لأنه مماثل لها في المصدر والمدى. وتقريرا قرآنيا بأن الله لا يمكن أن يوفق ويسعد الظالمين المنحرفين عن الحق أمثالهم الذين يقفون مثل هذا الموقف العنيد المستكبر من آياته ورسله.
والآية استمرار في موقف المناظرة والحجاج وبالتالي فهي متصلة بالسياق.
ولما كان بنو إسرائيل بخاصة وأهل الكتاب بعامة موضع ثقة عند أهل بيئة النبي ﷺ فالآية تنطوي على إفحام وإلزام قويين كما هو المتبادر.
تعليق على ما روي في صدد هذه الآية من روايات وما احتوته من تسجيل
لقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن هذه الآية مدنية. وروى الطبري والبغوي في سياقها حديثا رواه البخاري أيضا عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: «ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنّه من أهل الجنة إلّا لعبد الله بن سلام وفيه نزلت: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ... إلخ [١٠] » «١». وروى الطبري روايات عديدة عن مواقف تصديقية وإيمانية لعبد الله بن سلام كان يفحم فيها اليهود وفي كل منها ذكر أن هذه الآية نزلت في مناسبتها. وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام نفسه أنه قال: «نزلت فيّ آيات من كتاب الله فنزلت فيّ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ إلى آخر الآية، ونزلت فيّ قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» «٢» [الرعد: ٤٣]. وقال ابن كثير: إن هذا ما قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة والسدي والثوري ومالك بن أنس! على أن الطبري والبغوي يرويان عن مسروق: «والله ما نزلت في عبد الله بن سلام وما نزلت إلّا بمكة وما أسلم
(٢) المصدر نفسه.
التفسير الحديث
محمد عزة بن عبد الهادي دروزة