وقوله تعالى : طاعةٌ وقولٌ معروف استئناف، أي : طاعة لله وللرسول، وقولٌ معروف حسن خيرٌ لهم، أو : يكون حكايةَ قولِ المنافقين، أي : قالوا : أَمْرُنا طاعة وقول معروفٌ، قالوه نفاقاً، فيكون خبراً عن مضمر، وقيل :" أَوْلَى " : مبتدأ، و " طاعة " : خبره، وهذا أحسن، وهو المشهور من استعمال " أَوْلى " بمعنى : أحق وأصوب، أي : فالطاعة والقول المعروف أَوْلى لهم وأصوب.
فإِذا عَزَمَ الأمرُ أي : فإذا جدّ الأمر ولزمهم القتال فَلَوْ صَدَقوا اللّهَ في الإيمان والطاعة لكان الصدق خيراً لهم من كراهة الجهاد، وقيل : جواب " إذا " وهو العامل فيها - محذوف، أي : فإذا عزم الأمرُ خالفوا أو تخلّفوا، أو نافقوا، أو كرهوا.
فهل عسيتم إن توليتم وأعرضتم عن ذلك، ولم تُسافروا إلى الطبيب، أن تُفسدوا في الأرض بالمعاصي والغفلة، وتُقطعوا أرحامكم، إذا لا يصل رحِمَه حقيقةً إلا مَن صفا قلبه، ودخله الخوف والهيبة، أولئك الذين أبعدهم اللّهُ عن حضرتِه، فأصمَّهم عن سماع الداعي إلى الله، وأعمى أبصارهم عن رؤية خصوصيته، وأنوار معرفته، أفلا يتدبرون القرآن، فإنَّ فيه علومَ الظاهر والباطن، لكن إذا زالت عن القلوب الأقفال، وحاصلها أربعة : حب الدنيا، وحب الرئاسة، والانهماك في الحظوظ والشهوات، وكثرة العلائق والشواغل، فإن سَلِمَ من هذه صفا قلبُه، وتجلّت فيه أسرارُ معاني الذات والصفات، فيتدبّر القرآن، ويغوص في بحر أسراره، ويستخرج يواقيتَه ودرره. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي