إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ( ٢٥ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ( ٢٦ ) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ( ٢٧ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ( ٢٨ ) .
عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت تنديدا بالذين ارتدوا عن الهدى بعد أن ظهرت لهم أعلامه واتبعوا ما يسخط الله وكرهوا ما يرضيه وكانوا يتآمرون الكفار ويعدونهم بطاعتهم والسير وفق رغبتهم. وإنذارا لهم، فقد فعلوا ما فعلوا بتزيين الشيطان وتغريره. وسيحبط الله مكائدهم وأعمالهم في الدنيا. ولسوف يكون استقبال الملائكة لهم حين يتوفونهم أسوأ استقبال ؛ حيث يضربونهم على وجوههم وأقفيتهم.
ولم نطلع على رواية خاصة في نزول الآيات. والمتبادر أنها هي أيضا فصل آخر ملحق بالفصلين السابقين. وقد روى المفسرون١ عن ابن عباس وعلماء التابعين قولين في من عنتهم جملة إن الذين ارتدوا على أدبارهم… الخ أحدهما : أنهم أهل الكتاب أو اليهود الذين عرفوا الحق وارتدوا عنه، وثانيهما : أنهم المنافقون الذين ارتدوا عن الإسلام. وقد رجح الطبري القول الثاني. وهو الأوجه على ما يلهمه فحوى السياق السابق الذي ذكر فيه مرضى القلوب.
كذلك رووا٢ قولين في من عنتهم جملة للذين كرهوا ما نزل الله أحدهما : أنهم اليهود، وثانيهما : أنهم مشركو العرب وكفارهم. والجملة تتحمل القولين. فهناك آيات وصف اليهود فيها بهذا الوصف وآيات وصف كفار العرب به، ولقد وصف كفار العرب به في إحدى آيات السورة نفسها وهي الآية ( ٩ ) حيث يمكن أن يرجح ذلك الاحتمال الأول. ولا سيما أنه ليس من دليل على أن هذه السورة نزلت قبل وقعة يهود بنو قريظة ؛ لأنه لم يعد بعدهم في المدينة كتلة يهودية يمكن أن يتواطأ معها المنافقون.
وعلى كل حال ففي الآية ( ٢٦ ) التي فيها الجملة إشارة إلى ما كان من تواطؤ المنافقين وانسجامهم مع أعداء الرسالة المحمدية سواء أكانوا اليهود أم المشركين. وقد تكررت هذه الإشارة في آيات عديدة مرت أمثلة منها.
والآيات قوية التنديد والإنذار والتشنيع من جهة، وفيها تلقين مستمر المدى كالفصلين السابقين من جهة أخرى بتقبيح النفاق والارتداد إلى الضلال والباطل بعد ظهور الحق والهدى والتواطؤ مع أعداء الإسلام والمسلمين.
التفسير الحديث
دروزة