ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ

قول ملك الرؤيا حكاه الله تعالى وعلى التقديرين تقييده إِنْ شاءَ اللَّهُ مع كون الرسول - ﷺ - والملك على يقين منه تادبا بآداب الله تعالى حيث قال الله تعالى ولا تقولن لشىء انى فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله قال ابو عبيدة ان بمعنى إذ مجازه إذ شاء الله وقال الحسين بن الفضيل يجوز ان يكون الاستثناء من الدخول لان بين الرؤيا وتصديقها كانت سنة وقد مات فى تلك السنة فمجاز الاية ليدخلن المسجد الحرام كل واحد منكم إنشاء الله آمِنِينَ حال من فاعل لتدخلن والشرط مفترض مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ يعنى محلقين قوم منكم جميع شعور رؤسهم ومقصرين آخرين بعض شعورها حالان من الضمير فى امنين او حال مقدرة من فاعل لتدخلن لا تَخافُونَ حال مؤكدة لامنين او استيناف يعنى لا تخافون بعد ذلك فَعَلِمَ الفاء للسببية عطف على محذوف تقديره اخر الدخول لحكمة فعلم من الحكمة فى التأخير ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ عطف على اخر المقدر مِنْ دُونِ اى اقرب من ذلِكَ الدخول فَتْحاً قَرِيباً يعنى فتح خيبر او صلح الحديبية.
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى اى متلبسا به او السببية او لاجله وَدِينِ الْحَقِّ اى دين الإسلام لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يعنى جنس الأديان كلها بنسخ ما كان حقا واظهار فساد ما كان باطلا بالحجج والآيات او بتسليط المسلمين على أهلها فى وقت من الأوقات وَكَفى بِاللَّهِ الباء زائدة شَهِيداً حال من الله او تميز من النسبة يعنى كفى الله شاهدا او كفى شهادة الله على ما وعد من الفتح او على رسالة الرسول بإظهار المعجزات على يديه وفى هذه الاية تأكيد لما وعد من دخول المسجد الحرام وكلتاهما تاكيدان لقوله تعالى إِنَّا فَتَحْنا لَكَ وما بينهما معترضات.
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جملة مبنية للمشهود به ويجوز ان يكون رسول الله صفة ومحمد خبر مبتداء محذوف اى هو الذي أرسله بالهدى محمد او مبتدأ وقوله تعالى وَالَّذِينَ مَعَهُ معطوف عليه وما بعده خبرهما والموصول مبتداء وما بعده خبره والجملة معطوف على الجملة أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ امتثالا لامر الله تعالى حيث قال يا ايها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم وقال لا تأخذكم بهما رافة فى دين الله وقال ومن يتولهم منكم فانه منهم وأمثال ذلك كثيرة رُحَماءُ بَيْنَهُمْ يعنى يتراحمون فيما بينهم ويتوادون حبا لله ولرسوله فان محب المحبوب محبوب فى الحديث القدسي اين المتحابون فى جلالى اليوم أظلهم تحت ظلى يوم لا ظل الا ظلى رواه مسلم عن ابى هريرة مرفوعا- وسيجيئ قوله - ﷺ - من أحبهم فبحبى أحبهم

صفحة رقم 35

ونظير هذه الاية قوله تعالى أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ رغم انف الروافض الذين يزعمون ان اصحاب محمد كانوا يتباغضون بينهم تَراهُمْ يا محمد رُكَّعاً سُجَّداً لاشتغالهم بالصلوة فى كثير من الأوقات فان الصلاة معراج المؤمنين حالان مترادفان من ضمير المنصوب فى ترهم وكذلك يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ الثواب بالجنة وروية الله تعالى وَرِضْواناً منه تعالى سِيماهُمْ علامتهم فِي وُجُوهِهِمْ مبتداء وخبر والجملة خبر لما سبق مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ط حال من الضمير المستكن فى الظرف قال قوم هو نور وبياض وجوههم يوم القيامة يعرفون به انهم سجدوا فى الدنيا وهى رواية العوفى عن ابن عباس وقال عطار بن ابى رباح والربيع بن انس استنارت وجوههم فى الدنيا من كثرة الصلاة وقال شهر بن حوشب يكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر يعنى فى الاخرة وقال قوم هو السمت الحسن والخشوع والتواضع وهى رواية الوالبي عن ابن عباس وهو قول مجاهد وقال الضحاك صفرة الوجه من السهر وقال الحسن إذا راتهم حسبتهم مرضى وما هم مرضى وقال عكرمة وسعيد بن جبير هو اثر التراب على الجباه- وقال ابو العاليه لانهم كانوا يسجدون على التراب دون الأثواب يعنى تواضعا ذلِكَ المذكور مَثَلُهُمْ صفتهم فِي التَّوْراةِ قال البغوي هاهنا تم الكلام- ثم ذكر الله سبحانه ما فى الإنجيل من نعتهم فقال وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ إلخ وجاز ان يكون مثلهم فى الإنجيل معطوفا على مثلهم فى التوراة يعنى ذلك مذكور فى الكتابين ويكون قوله تعالى كَزَرْعٍ إلخ تمثيلا مستانفا وجاز ان يكون ذلك الاشارة مبهمة يفسرها قوله تعالى كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ الجملة مع ما عطف عليه صفات زرع قرأ ابن كثير وابن ذكوان بفتح الطاء والباقون بإسكانها وهما لغتان بمعنى فروع الزرع اى أول ما خرج من الحب فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ اى صار من الرقة الى الغلظ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ جمع ساق قرأ ابن كثير سئوقه بالهمزة والباقون بغير الهمزة يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ بكثافته وغلظه وقوته وحسن منظره هذين المثلين ضربهما الله تعالى لاصحاب محمد - ﷺ - لكن الاول منهما يصدق على غير الصحابة ايضا من خيار الامة والثاني منهما مختص بالصحابة لا يشارك فيه أحد غيرهم فان الله سبحانه أرسل محمدا - ﷺ - وحده كالزراع بذر فى الأرض فامن به ابو بكر وعلى وبلال ورجال متعددون بعدهم منهم عثمان وطلحة والزبير والسعد وسعيد وحمزة وجعفر وغيرهم حتى كان عمر متمم أربعين رجلا كزرع اخرج شطأه فكان الإسلام فى بدوّ الأمر غريبا كاد الكفار يكونون عليه لا محائه لبدا لولا حماية الله تعالى فازره الله تعالى بمجاهدات الصحابة من المهاجرين والأنصار حين سقوا زرع الدين

صفحة رقم 36

بدمائهم فى حيوة النبي ﷺ وبعد وفاته لا سيما فى خلافة ابى بكر وعمر فاستوى الدين على سوقه وظهر على الدين كله واستغنى عن حماية غيرهم بحيث يعجب الزراع حتى قال الله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً- وقال عليه الصلاة والسلام لا يجتمع أمتي على الضلالة وقال لا يزال من أمتي قائمة بامر الله لا يضرهم من خذلهم ومن خالفهم ولاجل هذه الخصوصية سبقوا فى مضمار الفضل على كل سابق بحيث لا يمكن لاحد من الا فاضل ان يبلغ درجة اى منهم حتى قال رسول الله ﷺ لا تسبوا أصحابي فلو ان أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد
أحدهم ولا نصفه متفق عليه من حديث ابى سعيد الخدري وروى احمد نحوه من حديث انس وقال رسول الله ﷺ ما من أصحابي يموت بأرض الا بعث قايدا ونور الهم يوم القيامة رواه الترمذي عن بريدة وهذه الخصوصية هى مادة الفضل غالبا فيما بين الصحابة فمن كان اسبق ايمانا كابى بكر او اكثر موازرة للدين حين ضعفه كعمر كان أفضل ممن ليس كذلك- قال الله تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وقال الله تعالى السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وقد استوفيا فضايل الصحابة عموما وخصوصا ونقلا وعقلا فى السيف المسلول والله تعالى اعلم- قال البغوي هذا مثل ضربه الله عز وجل لاصحاب محمد ﷺ فى الإنجيل انهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون قال قتادة مثل اصحاب محمد فى الإنجيل مكتوب انه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقيل الزرع محمد والشطأة أصحابه والمؤمنون- وروى عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال محمد رسول الله والذين معه ابو بكر أشداء على الكفار عمر بن الخطاب رحماء بينهم عثمان بن عفان ترهم ركعا سجدا على بن ابى طالب يبتغون فضلا من الله ورضوانا- بقية العشرة المبشرة بالجنة كمثل زرع محمد ﷺ اخرج شطأه ابو بكر فازره عمر فاستغلظ عثمان للاسلام فاستوى على سوقه على بن ابى طالب استقام الإسلام بسيفه يعجب الزراع- فى المدارك عن عكرمة اخرج شطأه بابى بكر إلخ نحو ما ذكر والله تعالى اعلم- قال البغوي قال عمر لاهل مكة بعد ما اسلم لا يعبد الله

صفحة رقم 37

سرّا بعد هذا اليوم لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ط الضمير فى بهم عايد الى الذين معه او الى شطأ من حيث المعنى فان المراد بالشطأ الذي خرج بعد الزرع الداخلون فى الإسلام والجار والمجرور متعلق بمحذوف دل عليه السياق يعنى جعلهم الله أشداء ورحماء وكثرهم وقويهم وقوى بهم الإسلام ليغيظ بهم الكفار يعنى غيظا للكافرين قال انس بن مالك رض من أصبح وفى قلبه غيظ على اصحاب محمد ﷺ فقد أصابته هذه الاية وعن عبد الله بن مغفل المزني قال قال رسول الله ﷺ الله الله فى أصحابي الله الله لا تتخذوهم غرضا من بعدي فمن أحبهم فبحبى أحبهم ومن ابغضهم فببغضى ابغضهم ومن اذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد أذى الله ومن أذى الله فيوشك ان يأخذه رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ان سرك ان تكون من اهل الجنة فان قوما ينتحلون حبك يقرؤن لا يجاوز تراقيهم نبزهم الرافضة فان أدركتهم فجاهدهم فانهم مشركون- رواه البغوي والدارقطني وفى اسناده نظر- وقد ورد فى فضائل الصحابة عموما وخصوصا مالا يكاد يحصى- وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ كلمة من للبيان والضمير يعود الى ما يعود اليه ضمير بهم مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً تنكير مغفرة واجر للتعظيم وقد انعقد الإجماع على ان الصحابة كلهم عدول وكلهم مغفور لهم- والله اعلم.

صفحة رقم 38

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري

تحقيق

غلام نبي تونسي

الناشر مكتبة الرشدية - الباكستان
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية