ثم لما فرغ مما وعد به صالحي عباده ذكر ما يستحقه غيرهم فقال : وَيُعَذّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات وهو معطوف على يدخل : أي يعذبهم في الدنيا بما يصل إليهم من الهموم والغموم بسبب ما يشاهدونه من ظهور كلمة الإسلام، وقهر المخالفين له، وبما يصابون به من القهر والقتل والأسر، وفي الآخرة بعذاب جهنم.
وفي تقديم المنافقين على المشركين دلالة على أنهم أشدّ منهم عذاباً، وأحقّ منهم بما وعدهم الله به، ثم وصف الفريقين، فقال : الظانين بالله ظَنَّ السوء وهو ظنهم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم يغلب، وأن كلمة الكفر تعلو كلمة الإسلام.
ومما ظنوه ما حكاه الله عنهم بقوله : بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً ، عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء أي ما يظنونه، ويتربصونه بالمؤمنين دائر عليهم حائق بهم، والمعنى : أن العذاب، والهلاك الذي يتوقعونه للمؤمنين واقعان عليهم نازلان بهم. قال الخليل وسيبويه : السوء هنا : الفساد. قرأ الجمهور السوء بفتح السين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضمها وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً . لما بيّن سبحانه أن دائرة السوء عليهم في الدنيا بيّن ما يستحقونه مع ذلك من الغضب واللعنة، وعذاب جهنم.
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في تاريخه، وأبو داود والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي، في الدلائل عن ابن مسعود قال : أقبلنا من الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي، وكان إذا أتاه اشتدّ عليه، فسرّي عنه، وبه من السرور ما شاء الله، فأخبرنا أنه أنزل عليه : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً .
وأخرج البخاريّ وغيره عن أنس في قوله : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً قال : الحديبية. وأخرج البخاريّ، وغيره عن البراء قال : تعدّون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعدّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً قال :«فتح مكة» وأخرج البخاريّ، ومسلم، وغيرهما عن المغيرة بن شعبة قال :«كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى تتورم قدماه، فقيل له : أليس قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، قال :«أفلا أكون عبداً شكوراً»، وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله : هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة فِي قُلُوبِ المؤمنين قال : السكينة : هي الرحمة، وفي قوله : لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم قال : إن الله بعث نبيه بشهادة أن لا إله إلاّ الله، فلما صدّق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدّقوا بها زادهم الصيام، فلما صدّقوا به زادهم الزكاة، فلما صدّقوا بها زادهم الحجّ، فلما صدّقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم، فقال : اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً [ المائدة : ٣ ]. فأوثق إيمان أهل السماء، وأهل الأرض، وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلاّ الله. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم قال : تصديقاً مع تصديقهم. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما عن أنس قال :«لما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم : لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ مرجعه من الحديبية. قال :«لقد أنزلت علي آية هي أحبّ إليّ مما على الأرض»، ثم قرأها عليهم، فقالوا : هنيئًا مريئًا يا رسول الله، قد بيّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا ؟ فنزلت عليه : لّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار حتى بلغ : فَوْزاً عَظِيماً . »
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني