تفسير المفردات : لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي : أي إذا كلمتموه ونطق ونطقتم فلا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته.
المعنى الجملي : ذكرت سورة الفتح بعد سورة القتال لأن الأولى كالمقدمة والثانية كالنتيجة وذكرت هذه بعد الفتح، لأن الأمة إذا جاهدت ثم فتح الله عليها والنبي صلى الله عليه وسلم، بينها، واستتب الأمر، وجب أن توضع القواعد التي تكون بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكيف يعاملونه ؟وكيف يعامل بعضهم بعضا ؟ فطلب إليهم ألا يقطعوا أمرا دون أن يحكم الله ورسوله به ولا أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم ولا أن يجهروا له بالقول كما يجهر بعضهم لبعض، لما في ذلك من الاستخفاف الذي قد يؤدي إلى الكفر المحبط للأعمال.
الإيضاح :
يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي أي إذا نطق ونطقتم فلا ترفعوا أصواتكم فوق صوته، ولا تبلغوا بها وراء الحد الذي يبلغه، لأن ذلك يدل على قلة الاحتشام، وترك الاحترام.
روى البخاري بسنده عن ابن أبي مليكة ( أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أخبره أنه قدم ركب من تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر رضي الله عنه : أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر : بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر رضي الله عنه : ما أردت إلا خلافي، فقال عمر رضي الله عنه : ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم . فكان أبو بكر بعدها لا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار، وما حدث عمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فسمع كلامه حتى يستفهمه مما يخفض صوته ).
ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون أي وإذا كلمتموه وهو صامت فإياكم أن تبلغوا به الجهر الذي يدور بينكم، أو أن تقولوا : يا محمد، يا أحمد، بل خاطبوه بالنبوة مع الإجلال والتعظيم، خشية أن يؤدي ذلك إلى الاستخفاف بالمخاطب فتكفروا من حيث لا تشعرون.
ولما نزلت هذه الآية تخلف ثابت بن قيس عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إليه صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله لقد أنزلت هذه الآية وإني رجل جهير الصوت، فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال عليه الصلاة والسلام :( لست هناك، إنك تعيش بخير وتموت بخير، وإنك في أهل الجنة )، فقال : رضيت ببشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا، فأنزل الله :
تفسير المراغي
المراغي