ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝ

نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
لا تقدموا بين يدي الله ورسوله «١»، ولعل ذكر الرسول لأنه مبلغ عن الله وحافظ لشريعته.
واتقوا الله، أى: خذوا الوقاية من سخطه وعذابه باتباع أمره واجتناب نهيه والوقوف عند الحدود المرسومة التي بينها لكم، إن الله سميع بكل المسموعات، ويجازى بها أتم الجزاء، وهو عليم بكل المعلومات، وسيجازيكم عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وهذه الآية تقرر أصلا من أصول الدين المهمة، وهو أن الحكم لله وحده لا معقب لحكمه وهو أحكم الحاكمين فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً وإذا كنا نهينا عن أن نتقدم الله ورسوله في حكم من الأحكام، فيا ويل المسلمين ويا هلاكهم! حين يتركون اليوم أمر الله ورسوله، ويتحاكمون إلى طواغيت الغرب وقوانينه.
من أدب الحديث مع الرسول [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٢ الى ٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)

(١) - في هذه العبارة مجاز مرسل في لفظ اليدين حيث أطلقهما وأراد الجهتين المقابلتين لهما القريبتين منهما لعلاقة المجاورة، وفي العبارة كلها استعارة تمثيلية حيث استعيرت الجملة- التقدم بين اليدين- للقطع بالحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن تلزمه متابعته تصويرا لشناعة هذا الفعل بصورة المحسوس، كتقدم الخادم لسيده.

صفحة رقم 499

المفردات:
تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ الجهر: ظهور الشيء بإفراط لحاسة السمع أو حاسة البصر. أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ حبط عمله: بطل ثوابه لطغيان السيئات عليه.
يَغُضُّونَ الغض: النقصان من النظر أو الصوت. امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ أصل الامتحان: إذابة الذهب ليخلص إبريزه من الخبث، وقد يطلق ويراد منه الاختبار والتجربة، ويلزم من هذا المعرفة وهي المرادة هنا. الْحُجُراتِ: جمع حجرة، وهي قطعة من الفضاء تحجر أى: يمنع من الدخول فيها بحائط أو نحوه. وَراءِ الْحُجُراتِ: خارجها.
كانت الآية السابقة لبيان أدب المسلمين مع الله ورسوله ومكانتهما، وهذه الآيات لبيان الأدب مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديثه ومعاملته.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا: لا تجعلوا أصواتكم عند الحديث مع الرسول الأكرم فوق صوته، بل كلموه بصوت منخفض، بلا جلبة ولا ضوضاء، وكونوا معه كما يكون الابن مع أبيه، وإياكم والجهر له في القول إذا كلمتموه وهو صامت، فلا تظهروا أصواتكم معه كما تجهرون مع بعضكم.
أدبهم الله الأدب العالي في حديث النبي، ولم يكن النبي جبارا متعاليا، وإنما كان مثلا أعلى في التواضع والحياء تكلمه الأمة في الطريق فلا يتركها حتى تتركه، ولكنه كان كثير الشغل، كثير التفكير، والتأمل في شأن الأمة الإسلامية، والعرب قوم جفاة غلاظ لا يعرفون اللين وأدب الخطاب، فنهاهم الله عن رفع صوتهم على صوت النبي، وعن الجهر بالقول عند مخاطبته وهو ساكت. مخافة بطلان أعمالهم الصالحة التي

صفحة رقم 500

عملوها، وذهابها سدى من غير مثوبة من حيث لا يشعرون بذلك فإن العادة إذا استحكمت مع شخص فعلها بدون فكر، ولا نظر، وربما كانت سيئة فأكلت حسناته وهو لا يشعر!! وهذا ترغيب في لين القول وأدب الحديث فيقول الله: إن الذين يغضون أصواتهم ولا يرفعونها عند رسول الله، أولئك قوم أخلص الله قلوبهم وصفاها وأعدها للتقوى، أو عرفها الله مستعدة للتقوى بعد الاختبار، هؤلاء لهم مغفرة وأجر عظيم على ما كسبوه من صالح الأعمال.
روى عن زيد بن الأرقم أنه: جاء أناس من العرب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملكا عشنا في جناحه، ثم جاءوا إلى حجرة النبي صلّى الله عليه وسلّم ينادونه: يا محمد، فأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ...
وقد تأذى من ندائهم على هذه الصفة.
وقد حكم الله على أكثرهم بعدم العقل لأن بعضهم لم يكن موافقا، أو هو أسلوب عربي معروف ينسب للأكثر ما هو للكل، ولا شك أن هؤلاء يستحقون هذا الوصف لجهلهم بقانون الأدب العام، وما ينبغي أن يكون عليه الزائر من أدب الحديث واختيار الزمان والمكان المناسبين، ولو أن هؤلاء صبروا حتى يخرج إليهم النبي صلّى الله عليه وسلّم وقد كان في قيلولة مستريحا لكان خيرا لهم وأتم.
وما كان النبي يحتجب عن أصحابه إلا في أوقات خاصة قليلة ليستريح بعض الوقت ليلا أو في الظهر.
وهكذا القرآن الكريم لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها بالإجمال أو التفصيل حتى أدب الحديث وأدب الاستئذان نراه يرسم لنا طريقهما..

صفحة رقم 501

التفسير الواضح

عرض الكتاب
المؤلف

محمد محمود حجازي

الناشر دار الجيل الجديد
سنة النشر 1413
الطبعة العاشرة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية