ثم قال: واتقوا الله إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ [أي: يسمع قولكم ويعلم فعلكم فاتقوه وخافوه].
قوله تعالى: يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ.
أي: لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له في الخطاب.
وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ.
أي: لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه، ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى، قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهذا كله أمر من الله تعالى للمؤمنين بتعظيم النبي ﷺ وإجلاله، وهو مثل قوله: لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: ٦٣].
روي: أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: أقسمت بالله ألا أكلم رسول الله
صلى الله عليه وسلّم إلا كأخي السرار.
وقد كره جماعة من العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله ﷺ وبحضرة العلماء اتباعاً لأدب الله تعالى وتعظيماً لرسول الله بعد موته كما كان يحب في حياته، وتشريفاً للعلم، إذ العلماء ورثة الأنبياء.
وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: " ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف بعالمنا ".
وروي: أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكان
خطيب رسول الله ﷺ / في مفاخرة بني تميم للأقرع بن حابس وكان في أذنيه صمم، فكان إذا تكلم أعلى صوته، فلما نزلت هذه الآية أقام في منزله، وخشي أن يكون حبط عمله. فعند ذلك شاكى أبو بكر ألا يكلم النبي ﷺ إلا كأخي السرار فأنزل الله تعالى في أبي بكر ومن فعل فعله.
إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى.
أي: طهرها من كل دنس وجعل فيها التقوى. وثابت هذا هو الذي وقعت جويرية: أم المؤمنين في سهمه فكاتبته على نفسها.
قالت عائشة رضي الله عنها: وكانت جويرية امرأة حلوة مليحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتت إلى النبي ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو - إلا أن رأيتها على باب حجرتي كرهتها وعلمت أن النبي ﷺ سيرى منها ما رأيت، تريد من حسنها وحلاوتها.
قالت عائشة: فدخلت جويرية على النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عنك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس، وكاتبته عن نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، فقال لها النبي ﷺ: فهل (لك خير) من ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أقض كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت، فخرج الخبر في الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله، فأرسلوا ما بأيديهم من الأسرى إجلالاً لرسول الله ﷺ.
قالت عائشة: فلقد أعتق الناس بتزويجها إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، قالت: فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية.
ثم قال: أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ.
أي: مخافة أن تبطل أعمالكم وأنتم لاَ تَشْعُرُونَ أي: لا تعملون.
وقال الزجاج تقديره " لأن تحبط "، وهو عنده مثل فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً [القصص: ٧] وسمى هذه اللام لام الصيرورة أي: التقطه ليصير أمرهم إلى ذلك؛ لأنهم قصدوا التصيّر إلى ذلك ولكنه في المقدر، وفيما سبقه من علم الله، فالمعنى لا ترفعوا أصواتكم فيكون ذلك سبباً لإبطال أعمالكم.
وفي قراءة عبد الله: " فَتَحْبَطَ أَعْمَالُكُم ".
ثم قال: إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله أي: يكفون
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي