ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

ومن بعد ذلك يقول الحق :
إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ( ١١٢ ) .
كأن عيسى قال لهم : عليكم بتقوى الله فلا تسألوه هذه الآية، لأنكم ما دمتم قد أعلنتم الإيمان فأنتم لا تقترحون على الله آية لإثبات صدق رسوله، وحسبكم ما أعطاه الله لي من آيات لصدق رسالتي. وعليكم أن تلزموا أنفسكم بالمنهج الذي أعلنتم أنكم مؤمنون به.
وقد توقف العلماء عند قولهم :( هل يستطيع ربك ) وتساءل العلماء : كيف كان هذا القول، وخصوصا أن معناه الظاهري : أيقدر ربك ؟ وكيف للحواريين أن يقولوا ذلك بالرغم من أنهم أشهدوا عيسى عليه السلام بأنهم مسلمون ؟ وقال العلماء أيضا : إن من يتكلم في اللغة عليه أن يكون متبصرا باشتقاقات الألفاظ واستعمالات الألفاظ وسمات الألفاظ، وكلمة ( يستطيع ) بمعنى يطيع كما قالوا : استجاب بمعنى أجاب، وكأن معنى سؤالهم : أيستجيب الله وينزل علينا مائدة من السماء ؟ و( استطاع ) تقابل :( استجاب ) وسبحانه وتعالى هو القادر على كل شيء، وهو الذي يطيعه كل شيء، وهو الذي يرضخ لحكمه كل شيء، والحق لا يطلب، إنما يأمر مصداقا لقوله تعالى :
إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( ٨٢ ) ( سورة يس ).
الله سبحانه وتعالى لا يقول لشيء كن إلا ويعلم أنه يطيع، ولا يأمره الحق أن يطيع إلا ويكون استعداده الانفعالي أنه حين يسمع قول الله :( كن ) فلازم أن يكون، والمثال على هذا هو قوله سبحانه وتعالى :
إذا السماء انشقت ( ١ ) وأذنت لربها وحقت ( ٢ ) ( سورة الانشقاق ).
إنها لن تنتظر إلا سماع الأمر فقط. وساعة تسمع الأمر فهي تنفعل، ومعنى تنفعل أي تطيع. وكل الكون مطيع لخالقه سبحانه وتعالى. أو يكون معنى هل يستطيع : هل يفعل. وذلك من باب التعبير عن المسبب بالسبب ؛ إذ الاستطاعة من أسباب إيجاد الفعل. وقيل المراد : هل تستطيع سؤال ربك من غير صارف ولا مانع يمنعك عن سؤاله ؟ فقد قرأ الكسائي وغيره هل تستطيع ربك بنصب كلمة ( ربك ) وأصلها هل تستطيع سؤال ربك، فحذف المضاف ( سؤال ) وأقيم المضاف إليه وهو كلمة رب مقامه فنصب. وقال الزمخشري : ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم. وقولهم :( هل يستطيع ) كلام لا يتأتى مثله من مؤمنين معظمين لربهم.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير