ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ

فالارتداد على الأدبار ليس مذموما إن كان من أجل حيلة أو صنع كمين للعدو، وفي هذه الحالة لا بأس أن يرتد الإنسان أما خلاف ذلك فهو مذموم وهل الارتداد على الأدبار رجوع بالظهر إلى الوراء مع الاحتفاظ بالوجه في مواجهة الخصم ؟ أو هو التفات بالوجه ناحية الدبر وفرار من العدو ؟ كلا الأمرين يصح، وقد جاء الأمر إلى بني إسرائيل بعدم الفرار ليدخلوا الأرض فماذا كان موقفهم مادامت الكتابة لهذا الأمر تشريعية ؟.
قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون( ٢٢ ) :
كيف إذن يعلنون هذا التمرد على أمر الحق ؟ وكيف علموا أن فيها قوما جبارين ؟ ولنا أن ننتبه إلى أن الحق قد قال من قبل : وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ( من الآية١٢سورة المائدة ).
فقد ذهب النقباء أولا وتجسسوا ونقبوا وعرفوا قصة هذه الأرض المقدسة، وأن فيها جماعة من العمالقة الكنعانيين وساعة رأوا هؤلاء القوم، قالوا لأنفسهم : هل سنستطيع أن نقاوم هؤلاء الناس ؟ إن ذلك أمر لا يصدق، لذلك لن ندخلها ماداموا فيها إذن فقد تخاذلوا وارتدوا على أدبارهم " قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين ".
وساعة أن تسمع كلمة " جبار " تجدها أمرا معنويا أخذ من المحسات فالجبارة هي النخلة التي لا تطولها يد الإنسان إذا أراد أن يجني ثمارها، وعندما تكون ثمار النخلة في متناول يد الإنسان حين يجني ثمارها فهي دانية القطوف، أما التي لا تطولها يد الإنسان لحظة الجني للثمار فهي جبارة، لذلك أخذ هذا المعنى ليعبر عن الذي لا يقهر فسمي جبارا، وقد يكون الجبار مكرها ولكن على الإصلاح وفي بلادنا نطلق على من يصلح كسور العظام " المجبراتي ".
أي أنه يجبر العظام على أن تعود إلى مكانها الطبيعي، وقد يتألم الإنسان من ذلك، ولكن في هذا إصلاح لحياة الإنسان " والجبار " اسم من أسماء الله لأنه سبحانه يقهر ولا يقهر وقد يكرهنا سبحانه وتعالى حتى يصلحنا ويختبرنا بالابتلاءات حتى يمحصنا وتستوي حياتنا.
إذن ف " الجبار " صفة كمال في الحق لأنه يستعمل جبروته في الخير ويقهر الظالمين والمعاندين والمكابرين، وذلك لمصلحة الأخيار الطيبين، وهو سبحانه وتعالى لا يقهر، فعندما يكون في صف جماعة فإن أحدا لا يغلبهم أما الجبار كصفة في الخلق فهي مذمومة لأن التجبر هنا بدون أصالة كالبناء الأجوف. فالمتجبر قد يصيبه قليل من الصداع فيرقد متوجعا.
إننا نرى أمثلة لذلك في حياتنا نجد المتجبر يصاب بأزمة قلبية فيحمل على نقالة إلى المستشفى ونجد جبارا آخر يصاب بقليل من المغص فيجري وهو ممسك ببطنه فيضحك عليه الأطفال، ويقولون له ما معناه : العب بعيدا فلست جبارا ولا فتوة ولا أي شيء، والجبار إن أراد أن يكون كذلك فعليه أن يكون صاحب رصيد مستمر، فلا تراه يوما غير جبار ولا يكون التجبر صفة ذاتية إلا لله سبحانه وتعالى.
ويقول الحق :" وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها " وساعة نسمع " لن " تسبق الفعل فلنعرف أنها للنفي، والنفي قد يأخذ زمنا طويلا وقد يأخذ زمنا تأبيديا والفرق بين الدخول فقط والدخول التأبيدي أن الدخول الأول له زمن ينهيه، والدخول الثاني لا زمن له لينهيه كدخول المؤمنين الجنة.
وإذا عين الدخول بغاية كقولهم : " وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها " أي أن النفي التأبيدي مرتبط بغاية وهي خروج القوم الجبارين والتأبيد هنا إضافي لأنهم قالوا : إنهم لن يدخلوا الأرض في مدة وجود الجبارين.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير