قوله : قَالُواْ : يَا مُوسَى، إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أبداً مَا دَامُوا فِيهَا [ " ما " ]١ مصْدَريَّة ظرفية و " دَامُوا " صِلَتُهَا، وهي " دَامَ " النَّاقصة، وخبرها الجارُّ٢ بعدها، وهذا الظَّرْفُ بَدَلٌ من " أبداً " وهُوَ بَدَلُ بَعْض من كُلّ ؛ لأنَّ الأبَدَ يعمُّ الزَّمَن المُسْتَقْبَل كله، ودوام [ الجَبَّارين ]٣ فيها بَعْضه، وظَاهِرُ عِبَارَة الزَّمَخْشَرِيِّ يُحْتَمَلُ أن يكُون بَدَلُ [ كُلٍّ ]٤ من كُلٍّ أو عَطْف بَيَان، والعَطْفُ قد يَقَعُ بَيْن النَّكِرَتَيْن على كلام فيه تقدَّم.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ٥ :" وأبَداً " تعليق للنَّفْي المُؤكَّد بالدَّهْر المُتَطَاولِ، ومَا دَامُوا فِيها :[ بيانُ الأمْر ]٦، فهذه العَبَارَةُ تَحْتَملُ أنَّهُ بَدَلُ بَعْضٍ من كُلٍّ، لأنَّ بَدَل البَعْضِ من الكُلِّ مُبَيِّنٌ للمُرَاد، نحو :" أكَلْتُ الرَّغِيفَ ثُلُثَهُ "، ويحتَملُ أن يكُون بَدَلَ كُلٍّ من كُلٍّ، فإنَّه بيانٌ أيضاً للأوَّل، وإيضَاحٌ له، نحو : رَأيْتُ زَيْداً أخَاك، ويحتمل أن يكُون عَطْفَ بَيَانٍ.
قوله : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ [ في " وَرَبُّكَ " ]٧ أرْبَعَةُ أوجه :
أحدها : أنَّه مرفوع عَطْفاً على الفاعِل المُسْتَتِر في " اذْهَبْ "، وجازَ ذلِك للتَّأكِيد بالضَّمِير.
الثاني : أنَّه مَرفوع بِفِعْل مَحْذُوف، أي : ولْيَذْهَبْ رَبُّكَ، ويكون من عَطْفِ الجُمَل، وقد تقدَّم [ لي نَقْلُ ]٨ هذا القَوْل والرَّدُّ عليه، ومُخَالَفَتُهُ لنَصِّ سِيبَويْه عند قَوْلِهِ تعالى : اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [ البقرة : ٣٥ ].
الثالث : أنَّهُ مُبْتَدأ، والخبَرُ محذُوفٌ، و " الواوُ " لِلْحَال.
الرابع : أنَّ " الواوَ " لِلْعَطْفِ، وما بَعْدَها مُبْتَدَأ محذوفٌ والخَبَرُ - أيضاً - ولا مَحَلَّ لهذه الجُمْلَة من الإعْرَاب لِكَوْنِها دُعَاءً، والتَّقْدِير : وَرَبُّكَ يُعِينُكَ.
قوله : هَاهُنَا قَاعِدُونَ " هُنَا " وَحْدَهُ الظَّرْفُ المَكَانِي الَّذِي لا يَنْصَرِفُ إلا بِجَرِّه ؛ ب " مِنْ " و " إلَى "، و " هَا " قَبْلَهُ للتَّنْبيه كسَائِرِ أسْمَاء [ الإشارة ]٩ وعامله " قَاعِدُون "، وقد أجيز أن يكُون خَبَر [ " إنَّ " ]١٠ و " قاعدُون " خَبر ثانٍ، [ وهُو بَعِيدٌ ]١١.
وفي غير القُرْآن إذا اجْتَمَع ظَرْفٌ يَصِحُّ الإخْبَارُ بِهِ مع وَصْفٍ آخَر، ويَجُوزُ أن يُجْعَل١٢ الظَّرْفُ خَبَراً، والوَصْفُ١٣ حالاً، وأن يَكُون الخَبَرُ الوَصْفَ، والظَّرْف مَنْصُوبٌ به كَهَذِه الآية.
فصل
قولهم : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فيه وُجُوهٌ :
أحدُهَا : لعلَّ القَوْم كانُوا مُجَسِّمَةً، يجوِّزُون الذَّهَاب والمَجِيءَ على الله تعالى.
وثانيها : يُحْتَمَلُ ألاَّ يَكُون المُرَادُ حَقِيقَة الذهَاب، بَلْ كَما يُقَالُ : كَلَّمْته فذهَبَ يُجِيبُنِي، أي : يُريدُ أن يُجِيبَنِي، فكأنَّهُم قالوا : كُن أنْتَ وَربُّكَ مُريدين لقتَالِهِمْ.
ثالثها : التَّقْدِير اذْهَبْ أنْتَ وَربُّكَ مُعِينٌ لَكَ بِزَعْمِكَ فأضْمَر خَبَر الابْتِدَاء.
فإن قيل : إذَا أضْمَرْنَا الخَبَرَ فَكَيْفَ يَجْعَل١٤ قوله :" فَقَاتِلاَ " خبراً أيضاً.
فالجَوَابُ : لا يَمْتَنِعُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَر.
رابعها : أرَادَ بقوله :" وَرَبُّكَ " أخُوه١٥ هَارُون، وسمُّوه [ ربًّا ]١٦ لأنَّهُ كان أكبر من مُوسَى.
قال المُفَسِّرُون١٧ : قولهم : اذهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ ، إن قَالُوهُ على وَجْهِ الذهَاب من مَكَانٍ إلى مَكَانٍ فهو كُفْرٌ، وإن قَالُوهُ على وَجْهِ التَّمَرُّدِ عن الطَّاعَةِ فهو فِسْقٌ، ولقَدْ فَسَقُوا بهذَا الكلامِ لقوله تعالى في هذه القصة : فلا تَأسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ .
والمقْصُودُ من هذه القِصَّة : شَرْحُ حال هؤلاءِ اليَهُودِ، وشِدَّة بُغْضِهِم [ وَغُلُّوهِمِ ]١٨ في المُنَازَعَةِ مع الأنْبِيَاءِ قَدِيماً،
٢ في أ: الحال..
٣ سقط في أ..
٤ سقط في أ..
٥ ينظر: الكشاف ١/٦٢١..
٦ في أ: يأتي للأبد..
٧ سقط في أ..
٨ سقط في أ..
٩ سقط في أ..
١٠ في أ: كان..
١١ سقط في أ..
١٢ في أ: يحصل..
١٣ في أ: والموصوف..
١٤ في ب: يكون..
١٥ في أ: أخاه..
١٦ سقط في أ..
١٧ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٥٨..
١٨ سقط في أ..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود