ﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ( المائدة : ٣٥-٣٧ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه فيما سلف أن اليهود قد هموا ببسط أيديهم إلى الرسول حسدا منهم له وغرورا بدينهم واعتقادا منهم أنهم أبناء الله وأحباؤه – أمر المؤمنين بأن يتقوه ويبتغوا إليه الوسيلة بالعمل الصالح ولا يفتتنوا بدينهم كما فعل أهل الكتاب.
ثم أكد ذلك فبين أن الفوز والفلاح لا يكون ألا بهما فمن لم ينلها لاقى مكن الأهوال يوم القيامة ما لا يستطاع وصفه.
الإيضاح :{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة { اتقاء الله هو اتقاء سخطه وعقابه بعدم مخالفة دينه وشرعه والوسيلة ما يتوصل به إلى مرضاته والقرب منه واستحقاق مثوبته في دار الكرامة.
روى ابن جرير عن قتادة أنه قال في تفسير الآية أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه وروى أحمد والبخاري وأصحاب السنن من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :'' من قال جين يسمع النداء – الآذان – اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة '' وروى أحمد ومسلم كمن حديث عبد الله بن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول :'' إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجوا أن أكون هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة ''.
و بهذا يعلم أن هذه الوسيلة هي أعلى منازل الجنة فمن دعا الله تعالى أن يجعلها للنبي صلى الله عليه وسلم كافأه النبي صلى الله عليه وسلم بالشفاعة وهي دعاء أيضا والجزاء من جنس العمل.
وجاهدوا في سبيله الجهاد من الجهد وهو المشقة والتعب وسبيل الله هي طريق الحق والخير والفضيلة وكل جهد في الدفاع عن الحق وحمل الناس عليه فهو جهاد في سبيل الله.
أي جاهدوا أنفسكم بكفها عن أهوائها وحملها على النصفة والعدل في جميع الأحوال وجاهدوا أعدائي وأعداءكم وأتعبوا أنفسكم في قتالهم ومنعهم من مقاومة الدعوة.
لعلكم تفلحون أي افعلوا كل هذا رجاء الفوز والفلاح والسعادة في المعاش والمعاد والخلود في جنات النعيم.
و بعد فلم يؤثر عن صحابي ولا تابعي ولا أحد من علماء السلف أن الوسيلة هي التقرب إلى الله تعالى بغير ما شرعه الله للناس من الإيمان والعمل كالدعاء ونحوه.
و لكن جد في القرون الوسطى التوسل بأشخاص الأنبياء والصالحين أي جعلهم وسائل إلى الله نعالى والإقسام بهم على الله وطلب قضاء الحاجات ودفع الضر وجلب النفع منهم عند قبورهم أو بعيدا عنعا وكثر هذا حتى أصبح الناس يدعون مع الله أصحاب القبور في الحاجات أو يدعونهم من دون الله وألف بعض الناس كتبا في هذا وزعم أنهم يسمعون ويستجيبون للداعي وشغف العامة بمثل هذا القول المخالف لقول الله تعالى : فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ( الجن : ١٨ ) وقوله : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ( الأعراف : ١٩٤ ) وقوله : وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ( فاطر : ١٣-١٤ ).
و الذي عليه المعول في ذلك أن لفظ التوسل يراد به أحد معان ثلاثة :
( ١ ) التوسل إلى الله بطاعته والتقرب إليه بفعل ما يرضيه وهذا فرض حتم وبه جاءت الشرائع وهو أس كل دين.
( ٢ ) التوسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدعائه وشفاعته كما كان الصحابة يفعلون وهذا كان في حال حياته ولهذا قال عمر بن الخطاب :'' اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا'' أي بدعائه وشفاعته ويوم القيامة يتوسل المؤمنون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته.
( ٣ ) التوسل بالله بمعنى الإقسام بذاته وهذا لم تكن الصحابة تفعله في الاستسقاء ة نحوه لا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولا بعد مماته ولا عند قبره ولا بعيدا عنه ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المأثورة عندهم وإنما ينقل شيء من ذلك في الأحاديث ضعيفة أو عمن ليس قوله حجة وقد قال أبو حنيفة وأصحابه : إن مثل هذا لا يجوز وقالوا لا يسأل بمخلوق ولا يقول أحد أسألك بحق أنبيائك، ولا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وكرهوا أن يقال بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك لأنه لا حق للخلق على الخالق.
و الخلاصة : إن الوسيلة ما تتقرب به إلى الله وو ترجو أن تصل به إلى مرضاته بما شرعه لتزكية نفسك وقد دل كتاب الله في جملته وتفصيله على أن مدار النجاة والفلاح هو الإيمان والعمل الصالح كما قال تعالى : وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى ( النجم : ٣٩-٤١ ) وقال : لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ( طه : ١٥ ) وقال : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( النمل : ٩٠ ).
نعم دلت السنة على أن دعاء المؤمن لغيره قد ينفعه وثبت أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على إيمان عمه أبي طالب فأنزل الله عليه : إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( القصص : ٦٥ ).
و الخلاصة : إن العمدة في تقرب الإنسان إلى الله وابتغاء مرضاته هو إيمانه وعمله لنفسه فإذا لم يعمل لنفسه ما شرعه الله وجعله سبب فلاحه فهل يكون قد ابتغى إليه الوسيلة بطلب الدعاء من بعض عباده المكرمين أو طلبه منهم بعد موتهم أن يشفعوا له أي يدعوا له.
كلا إن الطلب من الميت غير مشروع فضلا عن أنه لا يعلم إن كان مقبولا أو غير مقبول فإن ذلك من أمور الآخرة وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ( الانفطار : ١٩ ).
و ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كله ضعيف بل موضوع وحديث الأعمى الذي علمه أن يقول '' أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة'' لا يصلح حجة في هذا الباب لأنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول :'' اللهم شفعه في '' وقد رد الله عليه بصره حين دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك من معجزاته صلى الله عليه وسلم.
و الحلف بالمخلوقات حرام عند أبي حنيفة والشافعي وحكي إجماع الصحابة على ذل حتى قال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر : لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغير صادقا وقد جاء في الصحيحين أنه قال :'' من كان حالفا فليحلف بالله '' وقال :'' لا تحلفوا بآبائكم فإن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ''.
و الحلف بالأنبياء ليس بيمين عند مالك وأبي حنيفة والشافعي فلا كفارة فيه وكذلك الحلف بالمخلوقات المحترمة كالعرش والكرسي والكعبة والمسجد الحرام الأقصى ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والملائكة والصالحين والملوك وسيوف المجاهدين وترب الأنبياء والصالحين.


المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه فيما سلف أن اليهود قد هموا ببسط أيديهم إلى الرسول حسدا منهم له وغرورا بدينهم واعتقادا منهم أنهم أبناء الله وأحباؤه – أمر المؤمنين بأن يتقوه ويبتغوا إليه الوسيلة بالعمل الصالح ولا يفتتنوا بدينهم كما فعل أهل الكتاب.
ثم أكد ذلك فبين أن الفوز والفلاح لا يكون ألا بهما فمن لم ينلها لاقى مكن الأهوال يوم القيامة ما لا يستطاع وصفه.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير