إذن فالحق سبحانه وتعالى لا يأتي بأمور الدين كأبواب منفصلة، باب للصلاة، وآخر للصوم وثالث للزكاة لا بل يمزج كل ذلك في عجينة واحدة، ولذلك فعندما أنزل بالمفسدين المحاربين لله عقاب التقتيل والتصليب والتقطيع والنفي كان ذلك لتربية مهابة الرعب في النفس البشرية، وساعة يستيقظ الرعب في النفس البشرية يقول الحق :
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون( ٣٥ ) .
لقد أخرجنا من جو صارم وحديث في عقوبات إلى تقوى الله والتقوى كما نعرف أن يجعل الإنسان بينه وبين ما يؤذيه وقاية.
وعرفنا أن الحق سبحانه الذي يقول : " اتقوا الله " هو بعينه الذي يقول " اتقوا النار "، وعرفنا كيف نفهم تقوى الله بأن نجعل بيننا وبين الله وقاية، وإن قال قائل : إن الحق سبحانه يطلب منا أن نلتحم بمنهجه وأن نكون دائما في معيته، فلنجعل الوقاية بيننا وبين عقابه ومن عقابه النار.
إذن فقوله الحق :" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله " أي أن نتقي صفات الجلال، والنار من خلق الله وجنده وقوله سبحانه :" وابتغوا إليه الوسيلة " أي نبحث عن الوصلة التي توصلنا إلى طاعته ورضوانه وإلى محبته وهل هناك وسيلة إلا ما شرعه الله سبحانه وتعالى ؟ وهل يتقرب إنسان إلى أي كائن إلا بما يعلم أنه يحبه ؟.
وعلى المستوى البشري نحن نجد من يتساءل : ماذا يحب فلان ؟ فيقال له : فلان يحب ربطات العنق، فيهديه عددا من ربطات العنق، ويقال أيضا : فلان يحب المسبحة الجيدة فيحضر له مسبحة رائعة، إذن كل إنسان يتقرب إلى أي كائن بما يحب، فما بالنا بالتقرب إلى الله ؟ وما يحبه سبحانه أوضحه لنا في حديثه القدسي :" من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ). (١)
فالحق سبحانه وتعالى يفسح الطريق أمام العبد فيقول سبحانه في الحديث القدسي :( ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ).
أي أن العبد يتقرب إلى الله بالأمور التي لم يلزمه الحق بها ولكنها من جنس ما افترضه سبحانه فلا ابتكار في العبادات إذن فابتغاء الوسيلة من الله هي طاعته والقيام على المنهج في " افعل " و " لا تفعل ".
والوسيلة عندنا أيضا هي منزلة من منازل الجنة، والرسول صلى الله عليه وسلم طلب منا أن نسأل الله له الوسيلة فقال :( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة )(٢).
ولا نريد أن ندخل هنا في مجال التوسل بالنبي أو الأولياء لأنها مسألة لا يصح أن تكون مثار خلاف من أحد، فبعضهم يحكم بكفر هؤلاء.
ونقول لمن يكفر المتوسلين بالنبي أو الولي : هذبوا هذا القول قليلا، إن حدوث مثل هذا القول هو نتيجة عدم الفهم فالذي يتوسل إلى الله بالنبي أو الولي هو يعتقد أن له منزلة عند الله، وهل يعتقد أحد أن الولي يجامله ليعطيه ما ليس له عند الله ؟ طبعا لا، وهناك من قال : إن الوسيلة بالأحياء ممكنة وأن الوسيلة بالأموات ممنوعة، ونقول له : أنت تضيق أمرا متسعا لأن حياة الحي لا مدخل لها بالتوسل، فإن جاء التوسل بحضرته صلى الله عليه وسلم إلى الله فإنك قد جعلت التوسل بحبك لمن علمت أنه أقرب منك إلى الله، فحبك له هو الذي يشفع وإياك أن تظن أنه سيأتي لك بما لا تستحق.
والجماعة التي تقول : لا يصح أن نتوسل بالنبي لأن النبي انتقل إلى الرفيق الأعلى، نقول لهم : انتظروا قليلا وانتبهوا إلى ما قال سيدنا عمر رضوان الله عليه، قال : كنا في عهد رسول الله إذا امتنع المطر نتوسل برسول الله ونستسقي به، ولما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، توسل بعمه العباس، وقالوا : لو كان التوسل برسول الله جائزا بعد انتقاله لما عدل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه عن التوسل بالنبي بعد انتقاله، وذهب إلى التوسل بعم النبي، ونسأل : أقال عمر " كنا نتوسل بنبيك والآن نتوسل إليك بالعباس ؟ أم قال : والآن نتوسل إليك بعم نبيك " ؟.
ولذلك فالذين يمنعون ذلك يوسعون الشقة على أنفسهم، لأن التوسل لا يكون بالنبي فقط ولكن التوسل أيضا بمن يمت بصلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فساعة يتوسل واحد إلى غيره يعني أنه يعتقد أن الذي توسل به لا يقدر على شيء، إنني أتوسل به إلى الغير لأني أعرف أنه لا يستطيع أن ينفذ لي مطلوبي إذن فلنبعد مسألة الشرك بالله عن هذا المجال، ونقول : نحن نتوسل به إلى غيره لأننا نعلم أن المتوسل إليه هو القادر وأن المتوسل به عاجز، وهذا هو منتهى اليقين ومنتهى الإيمان.
ولكن المتوسل به قد ينتفع وقد لا ينتفع وعندما توسل سيدنا عمر بالعباس عم النبي كان يفعل ذلك من أجل المطر، والمطر في هذه الحالة لا ينتفع به رسول الله لذلك جاء بواحد من آل البيت وكأنه قال : " يا رب عم نبيك عطشان فمن أجله نريد المطر ".
إذن فتوسل عمر بن الخطاب بعم النبي دليل ضد الذين يمنعون التوسل بالنبي بعد الانتقال إلى الرفيق الأعلى، وحتى نخرج من الخلاف نقول : إن العمل الصالح المتمثل في " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " هو الوسيلة الخالصة وبذلك نخلص من الخلاف ولا ندخل في متاهات.
" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون " ولنر الإيثار الإيماني الذي يرد الحق أن يربيه في النفس المؤمنة بتقوى الله التي تتمثل في الابتعاد عن محارمه وابتغاء الوسيلة إلى الله في إتباع أوامره.
إن الدين لم يأتك من أجل نفسك فحسب، ولكن إيمانك لن يصبح كاملا إلا أن تحب لأخيك ما تحبه لنفسك، فإن كنت قد أحببت لنفسك أن تكون على المنهج فاحرص جيدا على أن يكون ذلك لإخوانك أيضا، وإخوانك المؤمنون ليسوا هم فقط الذين يعيشون معك، ولكن هم المقدر لهم أن يوجدوا من بعد ذلك، ولذلك عليك أن تجاهد في سبيل الله لتعلو كلمة الله وهكذا تتسع الهمة الإيمانية فلا تنحصر في النفس أو المعاصرين للإنسان المؤمن ولذلك يضع لنا حق الطريق المستقيم ويوضحه ويبينه لنا.
وكانت بداية الطريق أن المؤمن بالله حينما وثق بأن لله نعيما وجزاء في الآخرة هو خير مما يعيشه قدم دمه واستشهد لذلك قال صحابي جليل : أليس بيني وبين الجنة إلا أن أدخل هذه المعركة فإما أن أقتلهم وإما أن يقتلوني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم.
وألقى الصحابي تمرات كان يأكلها ودخل المعركة.
لا بد إذن أنه قد عرف أن الحياة التي تنتظره خير من الحياة التي يعيشها ومع ذلك لم يضع الله الجهاد كوسيلة في أول الأمر، بل ظل يأمرهم بالانتظار والصبر حتى يربي من يحملون الدعوة، فلن يجعلها سبحانه عملية انتحارية.
وبعد ذلك نرى أثناء رحلة الدعوة للإسلام أن صحابيا يحزن لأنه في أثناء القتال قد أفلت منه عمرو بن العاص، وأن خالد بن الوليد قد هرب وتثبت الأيام أن البشر لا يعرفون أن علم الله قد ادخر خالدا وأنجاه من سيف ذلك الصحابي من أجل أن ينصر الإسلام بخالد، وكذلك عمرو بن العاص قد ادخره الله إلى نصر آخر للإسلام.
إذن فالجهاد في سبيل الله ضمان للمؤمن أن يظل المنهج الذي آمن به موصلا إلى أن تقوم الساعة وذلك لا يتأتى إلا بإشاعة المنهج في العالم كله والنفس المؤمنة إذا وقفت نفسها على أن تجاهد في سبيل الله كان عندها شيء من الإيثار الإيماني وتعرف أنها أخذت خير الإيمان وتحب أن توصله إلى غيرها ولا تقبل أن تأخذ خير الإيمان وتحرم منه المعاصرين لها في غير ديار الإسلام، وتحرص على أن يكون العالم كله مؤمنا، وإذا نظرنا إلى هذه المسألة نجدها تمثل الفهم العميق لمعنى الحياة، فالناس إذا كانوا أخيارا استفاد الإنسان من خيرهم كله، وإذا كانوا أشرارا يناله من شرهم شيء.
إذن فمن مصلحة الخير أن يشيع خيره في الناس، لأنه إن أشاع خيره فهو يتوقع أن ينتفع بجدوى هذا الخير وأن يعود عليه خيره، لأن الناس تأمن جانب الرجل الطيب ولا ينالهم منه شر، لأنه يحب أن يكون كل الناس طيبين وعلى ميزان الإيمان، لأنهم إن كانوا على ميزان الإيمان فالطيب يستفيد من خيرهم أما إن بقي الناس على شرهم وبقي الإنسان الطيب على خيره فسيظل خير الطيب مبذولا لهم ويظل شرهم مبذولا للطيب.
إذن من حكمة الإيمان أن " يعدى " الإنسان الخير للغير، وإن دعوة المؤمن إلى سبيل الله، ومن أجل انتشار منهج الله لا بد من الإعداد لذلك قبل اللقاء في ساحات المعارك فقبل اللقاء مع الخصم في ساحة المعركة لا بد من حسن الإعداد، وعندما يعد المؤمن نفسه يجد أن حركة الحياة كلها تكون معه، لأن الدعوة إلى الله تقتضي سلوكا طيبا، والسلوك الطيب ينتشر بين البشر، وهنا يقوي معسكر الإيمان فيرتقي سلوكا وعملا، وعندما يقوى معسكر الإيمان يمكنه أن يستخرج كنوز الأرض ويحمي أرض الإيمان بالتقدم الصناعي والعلمي والعسكري والحق يقول :{ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس( من الآية٢٥سورة الحديد ).
سبحانه أنزل القرآن وأنزل الحديد، ويتبع ذلك :
وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ( من الآية٢٥سورة الحديد ).
وجاء معنى البأس من أجل ذلك، وهذا هو السبب الثاني الذي أوصانا به الحق :
إياكم أن تأخذوا منهج الله فقط الذي ينحصر في " افعل ولا تفعل " ولكن خذوا منهج الله بما يحمي منهج الله وهو التقدم العلمي باستخراج كنوز الأرض وتصنيعها كالحديد مثلا، فسبحانه كما أنزل القرآن يحمل المنهج، فقد أنزل الحديد وعلى الإنسان مهمة استنباط الحديد والمواد الخام التي تسهل لنا صناعة الأجهزة العلمية، ونقيم المصانع التي تنتج لنا من حديد فولاذا ونحول الفولاذ إلى دروع ونصنع أدق الأجهزة التي تهيئ للمقاتل فرصة النصر وكذلك ندخر المواد الغذائية لتكفي في أيام الحرب.
إذن حركة الحياة كلها جهاد، وإياك أن تقصر فكرة الجهاد عندك على ساحة المعركة، ولكن أعد نفسك للمعركة، لأنك إن أعددت نفسك جيدا وعلم خصمك أنك أعددت له، ربما امتنع عن أن يحاربك والذي يمنع العالم الآن من معركة ساخنة تدمره هو الخوف من قبل الكتل المتوازنة لأن كل دولة تعد نفسها للحرب ولو أن قوة واحدة في الكون لهدمت الدنيا.
وقول الحق :" وجاهدوا في سبيله " نأخذه على أنه جهاد في سبيل منهج الله، وندرس هذا المنهج ونفهمه وبعد ذلك نجاهد فيه باللسان وبالسنان ونجاهد فيه بالكتاب ونجاهد فيه بالكتيبة.
إذن فقوله الحق :" وجاهدوا في سبيله " يصنع أمة إيمانية متحضرة حتى لا تترك الفرصة للكافر بالله ليأخذ أسباب الله وأسراره في الكون، فمن يعبد الإله الواحد أولى بسر الله في الوجود ولو فرضنا أنه لن تقوم حرب لكننا نملك المصانع التي تنتج، وعندنا الزراعة التي تكفي حاجات الناس، عندئذ سنحقق الكفاية وما لا تستعمله في الحرب سيعود على السلام، ويجب أن تفهموا أن كل اختراعات الحياة التقدمية تنشأ أولا لقصد الحرب، وبعد ذلك تهدأ النفوس وتأخذ البشرية هذه الإنجازات لصالح السلام.
٢ رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
تفسير الشعراوي
الشعراوي