يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ( ١ ) وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ٣٥ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ٣٦ ) يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ( ٣٧ ) ( ٣٥ ) – ٣٧ ).
تعليق على الآية :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ.................... الخ
والآيتين التاليتين لها. وبحث في التوسل والأحاديث
الواردة في معنى الوسيلة الأخروي
عبارة الآيات واضحة. وقد وجه الخطاب فيها إلى المؤمنين حاثا إياهم :( أولا ) على تقوى الله وتحري كل ما فيه رضاؤه والقربى إليه والجهاد في سبيله.
ومبينا لهم ( ثانيا ) أن في ذلك فلاحهم وسعادتهم.
ومنبها إياهم ( ثالثا ) إلى هول مصير الكفار يوم القيامة على سبيل التحذير والاستطراد.
ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. والذي يتبادر من روحها ومضمونها وترتيبها أنها جاءت معقبة على سلسلة الآيات ( ١٢ – ٣٤ ) التي احتوت التذكير بانحرافات أهل الكتاب وكفرهم ونقضهم مواثيق الله وإهمالهم ما أنزل الله إليهم من كتب وإخفاء كثير منها بسبيل الإنكار والمكابرة والتي تساوقت سياقا وموضوعا على ما نبهنا عليه. فبعد أن انتهت السلسلة جاءت الآيات ملتفتة إلى المؤمنين حاثة مبينة منبهة لهم على النحو الذي شرحناه كأنما تريد أن تقول لهم : إن هذا هو السبيل الأقوم لكم والأجدر بكم، وعليكم أن تعتبروا بمن سبقكم وبالمصير الهائل المعد للكافرين والمنحرفين. والله أعلم.
وواضح من روح الآيتين الثانية والثالثة أنهما بسبيل بيان وتصوير مصير الكفار الذين يموتون كفارا. وهذا يستتبع القول : إن باب التوبة يظل مفتوحا للكافر والمجرم ما دام حيا. على ما نبهنا عليه في المناسبات العديدة المماثلة.
وتصوير مصير الكافرين الأخروي رهيب حقا. فهم المخلدون في النار. ويتمنون الخروج منها وليس هناك أي إمكان لتحقيق أمنيتهم حتى ولو كان لهم ما في الأرض ومثله معه ما افتدوا به. وقد تكررت هذه الصورة أكثر من مرة. والمتبادر أن من أهدافها إثارة الخوف في نفوس الكفار وحملهم على الارعواء والتوبة، وهم في فرصة الحياة والعافية، ثم إثارة الغبطة في نفوس المؤمنين الذين هداهم الله فجنبهم هذا المصير الرهيب وكتب لهم السعادة والنجاة.
وجملة : وجاهدوا في سبيله في مقامها تجعل كلمة : وجاهدوا بمعنى أوسع من القتال ؛ وبعبارة أخرى هي بمعنى بذل كل جهد مادي ومعنوي وحربي وغير حربي وفعلي وقولي في تأييد دين الله وشريعته والتزام حدوده وتنفيذ أوامره في مختلف الظروف وتحمل ما يمكن أن يكون من جراء ذلك من شدة وعنت بالصبر والمجاهدة. وهذا المعنى ملحوظ في آيات كثيرة وردت فيها الكلمة ومشتقاتها.
وجملة : وابتغوا إليه الوسيلة أوجدت على ما يظهر في أذهان بعض المسلمين فكرة ( التوسل ) أي الاستشفاع بالأنبياء والأولياء وعباد الله الصالحين من أموات وأحياء لدى الله والإقسام عليه بحقهم بقضاء مطالب متنوعة من دفع ضرر وجلب نفع على اعتبار أنهم من الوسائل التي حثت الآية على ابتغائها إليه. وبلغ الأمر إلى أن صاروا يشدون الرحال إلى قبور الأنبياء وغيرهم من أولياء الله وينذرون لهم النذور ويقسمون على الله بحقهم أن يحقق لهم مطالبهم. وقد استشرت هذه العادة عند المسلمين في القرون المتأخرة. وكانت من أهم ما ثار عليه الإمام محمد عبد الوهاب من بدع مخالفة لروح الإسلام والتوحيد، حتى أقدم متبعو دعوته تحت لواء السعوديين في القرن الماضي على هدم مزارات الأولياء في كل بلد احتلوه.
ولقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صحب العباس رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الاستسقاء فقال :( اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ) كما رويت بعض الآثار الأخرى التي روي فيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم بعض أصحابه أن يدعو إلى الله بحقه، فكان هذا وذاك مستندا لمن سار على هذه العادة من المسلمين.
ولم نر المفسرين الذين اطلعنا على كتبهم يذكرون هذه العادة عند هذه الآية ؛ حيث يدل هذا على أنها لم تكن في القرون الإسلامية الأولى. غير أنها صارت تمارس في القرون الإسلامية الوسطى حيث التفت إليها الإمام المصلح ابن تيمية فيما التفت إليه من بدع، وألف فيها رسالة باسم ( الوسيلة والتوسل ) ضمنها تحقيقا جليلا كعادته رحمة الله عليه. ولقد استطرد إلى ذكرها الإمامان رشيد رضا وجمال القاسمي في تفسيريهما. ونوها برسالة الإمام ابن تيمية واعتبراها القول الفصل في الأمر وأوردا مقتبسات منها.
ومما قرره الإمام : أن لفظ التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يراد به ثلاثة معان :( أحدها ) التوسل بطاعته، وهذا حق وأصل من أصول الدين لقوله تعالى : وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول و من يطع الرسول فقد أطاع الله . و( ثانيها ) التوسل بدعائه، وهذا إنما كان في حياته كما جاء في حديث استسقاء عمر ؛ لأنه لو كان بعد موته لكان الأولى أن يتوسل عمر به، ولا يتوسل بدعاء عمه. ويكون هذا كذلك يوم القيامة بشفاعته لما ورد في هذا من الأحاديث الصحيحة ( ١ )١. و( ثالثها ) التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته. فهذا الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه لا في حياته ولا بعد مماته. ولا عند قبره ولا قبر غيره. ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم. وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة أو موقوفة، أو عن من ليس قوله حجة. ثم أخذ الإمام يورد أقوال أئمة الفقه والحديث بسبيل تأييد رأيه. منها ما يقرر حرمة التوسل لدى الله بحق أحد من مخلوقاته ولو كان نبيا. ومنها ما يقرر كراهية شديدة. ومنها ما يعتبره نوعا من الشرك ؛ لأنه دعاء بغير الله أو دعاء غير الله. وقد تنبه إلى أمر مماثل وفيه تأييد لرأيه وهو اتفاق الأئمة على عدم جواز الحلف بغير الله استنادا إلى أحاديث نبوية منها حديث جاء فيه :( من حلف بغير الله فقد أشرك – وفي رواية – فقد كفر ) ومنها حديث جاء فيه :( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) ( ٢ )٢ وأورد أقوال الأئمة بعدم انعقاد اليمين الذي يحلفه المسلم بالأنبياء والصالحين والكرسي والعرش والملائكة والكعبة والمسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسجد الأقصى.
وحجة الإمام ناصعة قوية فيها القول الفصل المستند إلى النقل والعقل، وجمهور الأئمة بعدم جواز دعاء غير الله والإقسام على الله بحق أحد أو شيء مهما عظمت حرمته ومكانته لقضاء الحاجات والمطالب الدنيوية، وبأن هذه العادة التي درج عليها عوام المسلمين في القرون الإسلامية المتأخرة ليس لها سند من سنة نبوية أو صحابية وهي بدعة مخالفة لروح الإسلام والتوحيد الصحيح. والله تعالى أعلم.
هذا، وهناك بعض أحاديث نبوية تتضمن تقرير معنى غيبي لكلمة الوسيلة أوردها ابن كثير في سياق تفسير الآية. منها حديث عن جابر بن عبد الله جاء فيه :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قال : حين يسمع النداء ( ١ )٣ : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له الشفاعة يوم القيامة ) ( ٢ )٤. ومنها حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول :( إذا سمعتم المؤذن فقولوا : مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة ) ( ٣ )٥ ومنها حديث رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا صليتم علي فسلوا لي الوسيلة، قيل : يا رسول الله وما الوسيلة ؟ قال : أعلى درجة في الجنة. لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو ) ( ٤ )٦.
ومنها حديث عن ابن عباس جاء فيه :{ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : سلوا الله لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة ) ( ١ )٧. ومنها حديث عن أبي سعيد الخدري قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلقه ) ( ٢ )٨.
والمجمع عليه عند أئمة التأويل والمفسرين بدون خلاف على ما يقوله ابن كثير : أن معنى الكلمة في الآية هو القربة إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح الذي يرضيه. وأمر الله تعالى المؤمنين بابتغاء الوسيلة إليه يتضمن ذلك كما هو المتبادر، ويتضمن أيضا أن ذلك مما يمكن للمؤمنين أن يحققوه.
وعلى هذا فيكون ما ورد في الأحاديث أمرا آخر لا صلة له بالآية إلا من حيث المشابهة اللفظية. ويجب التسليم به وإن لم يدرك مداه إذا صحت الأحاديث.
ولقد أورد ابن كثير مع سلسلة الأحاديث المذكورة حديثين آخرين. فيهما زيادة عجيبة. منها حديث أخرجه ابن مردويه عن علي جاء فيه :( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : في الجنة درجة تدعى الوسيلة فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة، قالوا : يا رسول الله من يسكن معك ؟ قال : علي وفاطمة والحسن والحسين ) ومنهما حديث أخرجه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين الأزدي قال :( سمعت علي بن أبي طالب ينادي على منبر الكوفة : يا أيها الناس إن في الجنة لؤلؤتين إحداهما بيضاء والأخرى صفراء. أما الصفراء فإنها إلى بطنان العرش، والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال وغرفها وأبوابها وأسرتها وسكانها من عرق واحد، واسمها الوسيلة هي لمحمد وأهل بيته. والصفراء فيها مثل ذلك هي لإبراهيم عليه السلام وأهل بيته ).
وقد وصف ابن كثير الحديث الأول بأنه منكر، والحديث الثاني بأنه غريب. والهوى الشيعي بارز على الحديثين.
ولقد أورد الحديث الثاني المفسر الشيعي الطبرسي عن الأصبع بن نباته.
والطبرسي أقدم من ابن كثير ؛ حيث يمكن أن يكون في هذا قرينه على الصنع الشيعي.
وننبه على أن الطبري والبغوي والزمخشري وهم من المفسرين المتقدمين كثيرا عن ابن كثير لم يوردوا من الأحاديث التي أوردها ابن كثير في منزلة الوسيلة الأخروية. واكتفوا بتفسير الكلمة في الآية بمعنى القربة إلى الله تعالى بما يرضيه. والطبري والبغوي بخاصة إمامان في الحديث، ولا بد من أنهما يعرفان الأحاديث التي وردت في الكتب الخمسة ؛ حيث يبدو من هذا أنهما لم يريا صلة بين الآية والأحاديث.
التفسير الحديث
دروزة