ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝ

(يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا... (٣٧)
* * *
صور الله سبحانه وتعالى حالهم بهذا النص الكريم، وهو أنهم اجتمع لهم العذاب الشديد المؤلم، والرغبة في الخروج منه، ولكنه أمر لازم غير قابل للانفصال عنهم، فهم يريدون راغبين ملحفين أن يخرجوا من النار وعذابها الشديد، وكلما نضجت جلودهم بدلهم الله تعالى جلودا غيرها، وهم يريدون

صفحة رقم 2165

الخروج منها ولو بالموت والفناء، ولكنهم ليسوا بخارجين منها، وقد عبر سبحانه وتعالى عن رغبتهم بالفعل، فقال سبحانه: (يرِيدُونَ أَن يخْرُجُوا مِنَ النَّارِ).
أي أنهم يريدون أن يقع الخروج على أي صورة كان، فهم يطلبون الخروج من العذاب، ولو كان بعده الموت، وقد نفَى الله تعالى الخروج بنفي الوصف، لا بنفي الفعل فقال: (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ) أي أنه ليس من شأنهم أن يخرجوا، ولا يصح أن نثبت لهم وصف الخروج، لأن العذاب هو الجزاء الحق الوفاق لما ارتكبوا، فلا يسوغ أن يقع الخروج منه أبدا، وقد أكد سبحانه بقوله تعالى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ مقِيمٌ).
هذا النص الكريم يفيد دوام ذلك العقاب من غير زمن محدود، بل هو دائم ملازم ثابت، وهنا نصان كريمان متقابلان: أولهما - قوله تعالى: (وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ) قد وصف فيه العذاب صراحة بأنه مؤلم، وجاء الثبات من صيغة اللفظ بوزن فعيل، ثانيهما - هذا النص وقد وصف بالإقامة والاستمرار والدوام صراحة، وفُهِم الإيلام من التعبير بكلمة " عذاب ".
ولا شك أن العذاب المؤلم الدائم هو الجزاء لمن فرط في أمر دنياه، وجعلها رجسا وفسوقا، فقد اشترى هذه الحياة الفانية، بالحياة الباقية، فكان حقا أن يجعل الله تعالى جزاءه أن يحرمه من كل ما في الحياة الآخرة من الخير، ويذيقه وبال أمره جزاء وفاقا لما قدمت يداه، واجترح من سيئات.. اللهم اكتب التوبة لنا، ولا تؤاخذنا بما يفعل السفهاء منا، واغفر لنا وارحمنا، إنك أنت الغفور الرحيم.
* * *
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ

صفحة رقم 2166

عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)
* * *
بين الله سبحانه وتعالى مقدار الإثم في الاعتداء على أنفس الآحاد، وذكر سبحانه وتعالى أن من قتل نفسا، فقد اعتدى على حق الحياة عند كل الناس، (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا). ومن أحياها بالقصاص لها، فكأنما أحيا الناس جميعا؛ لأنه يمكن للناس من حياة رافهة هادئة، فيها أمن وفيها استقرار واطمئنان، كما قال سبحانه في آية أخرى، (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ...)، ثم ذكر سبحانه وتعالى، الجريمة الكبرى في الاعتداء على الجماعة وخرق حرمات النظام، والانتقاض على الحكام الذين يقيمون الحق والعدل والشرع، وارتكاب القتل والسرقة والاعتداء على الأموال والأنفس والأعراض، وانتهاك الحرمات من غير أي حريجة دينية، وبين أنهم ينالون أقسى العقاب، لأنهم يرتكبون أفحش الجرائم وأفجرها.
وقد ذكر سبحانه وتعالى أن العقوبات لَا تكفي وحدها لإيجاد مجتمع فاضل، بل لَا بد من تهذيب الأرواح بالتقوى وطلب الوسائل الفاضلة، والغايات العالية، وأن يعرفوا أن عقاب الدنيا يهون بجوار عقاب الآخرة، وقد بين بعد ذلك العقوبة المقررة للاعتداء على الأموال، بعد أن ذكر عقوبة الاعتداء على الأنفس منفردة، ثم اجتماع الجرائم بالاعتداء على الأنفس والمال، والخروج على النظام.
وقد توسطت بين هذين النوعين من العقوبة آية الأمر بالتقوى وتذكر الآخرة وما فيها، الأن في ذلك بيانا بأن الصلاح الأول للمجتمع هو اجتثاث الجريمة من

صفحة رقم 2167

النفس بزرع التقوى، ولأن القرآن ليس كتاب قانون تسرد فيه العقوبات سردا، بل هو كتاب هداية وتهذيب وإرشاد وتوجيه إلى الطريق المستقيم، تذكر فيه العقوبة على أنها علاج للجريمة في المجتمع، ثم يذكر مع العقوبة المادية العلاج النفسي والروحي، وهو أجدى وأقوى وأبعد أثرا، وقد ذكر سبحانه وتعالى عقوبة المال في أغلظ جرائمه وهو السرقة، فقال تعالى:

صفحة رقم 2168

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية