وبعد ذلك يقول الحق :
يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم( ٣٧ ) :
وكلما مسهم لفح النار، يريدون أن يخرجوا منها، لكن كيف تأتي لهم إرادة الخروج من النار، لا بد إذن أن لحظة لفحها عليهم وتقلبهم هنا وهناك تدفعهم ألسنة اللهب إلى القرب من الخارج فيظنون أن العذاب قد انتهى ألم يقل الحق سبحانه من أجل أن يضع أمامنا التجسيد الكامل لبشاعة الجحيم :
وإن يستغيثوا يغاثوا ( من الآية٢٩سورة الكهف ).
هذا القول يوحي أولا بأن رحمة ما ستصل إليهم ولكن ما يأتي بعد هذا القول يرسم الهول الكامل ويجسده : يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ( من الآية٢٩سورة الكهف ).
وهذه قمة الهول وهناك فرق بين الابتداء المطمع والانتهاء الموئس.
مثال ذلك السجين العطشان الذي يطلب كوب ماء ويستطيع السجان أن يقول له : لا ليس هناك ماء أما إذا أراد السجان تعذيبه بأكثر من ذلك فهو يقول له : سآتي لك بالماء ويحضر له كوبا من ماء زلال، ويمد السجين يده لكوب الماء لكن السجان يسكب كوب الماء أرضا، هذا هو الابتداء المطمع والانتهاء الموئس وكذلك رغبتهم في الخروج من النار، فلا إرادة لهم في الخروج إلا إذا كانت هناك مظنة أن يخرجوا نتيجة تقليب ألسنة اللهب لهم، ولذلك يقول الحق أيضا عن هؤلاء : فبشرهم ( من الآية٢١سورة آل عمران ).
وتثير البشرى في النفس الأمل في العفو فيفرحون ولكن تكون النتيجة هي : بعذاب أليم ( من الآية٢١سورة آل عمران ).
وهكذا يريد لهم الحق صدمة الألم الموئس بعد الرجاء المطمع.
{ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم( ٣٧ )( سورة المائدة ).
تفسير الشعراوي
الشعراوي