ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون( ٤٨ ) .
هذا تتميم لما ذكره سبحانه وتعالى من كتب، وبيان تعاقب الرسل المعروفين ذوي الشرائع التي سنت الأحكام وعبدت المناهج، فقد ذكر سبحانه وتعالى أنه أنزل التوراة وشرع ما فيها من أحكام، وأن على أهل التوراة أن يحكموا بها، ثم أعقب الإنجيل التوراة، وأتى بأحكام يجب تنفيذها، وأكد ما اشتملت عليه التوراة مما لم يجيء نسخ بها، وأتم الله سبحانه وتعالى البيان بذكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وبه تمت الرسالة الإلهية وكملت شرائع الله تعالى وقد قال تعالت كلماته :
وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه في هذا النص السامي نجد بعض إشارات بيانية تشير إلى مكانة القرآن بين الكتب السماوية وتبدو هذه الإشارات في ثلاث نواح :
الناحية الأولى : أنه سبحانه لم يقل وقفينا على آثارهم بمحمد أو نحو ذلك، بل بين سبحانه أنه أنزل الكتاب، وفي ذلك إشارة إلى معنى استقلاله، وأنه لم يكن فيه تبعية لغيره من الكتب، بل هو مستقل بالمكانة منفرد بها من غير تبعية، أيا كان نوعها، وأيا كان مقدارها، وذكر الكتاب دون ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صراحة للإشارة إلى مكانة الشريعة الإسلامية وكتابها الكريم الباقي والخالد إلى يوم القيامة، وهو معجزة النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا ذكرها سبحانه في مقام الإكبار والتفخيم يكون بيانا لمكانة الرسالة المحمدية، وبيان أن حجتها أقوى الحجج، وأشدها تثبيتا، وأبقاها في هذا الوجود، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الكتاب من غير تعريف سوى ذلك، و"أل" كما قال علماء اللغة للعهد، وفي ذلك إشارة إلى كماله، أي أنه "الكتاب" الذي هو جدير باسم الكتاب، بحيث إذا أطلق اسم الكتاب لا ينصرف إلا إليه، لأنه الفرد الكامل من بين الكتب في هذا الوجود.
وقد زاده الله تعالى شرفا فنسب الإنزال إليه سبحانه، وفي ذلك تأكيد لمنزلته العالية السامية.
الناحية الثانية : من الإشارات البيانية المبينة لمكان القرآن هو بيان أنه سجل الرسالات السابقة، والشاهد بصدقها فهو مصدق لكل الكتب السابقة، المنزلة قبل تحريفها، وفيه دلائل نبوة الأنبياء السابقين، ومعجزاتهم والكتاب الآخر في قوله تعالى : مصدقا لما بين يديه من الكتاب هو جنس الكتب السماوية السابقة، ف ( أل ) فيه للجنس، أي أنه في القرآن الكريم الدلائل المثبتة لصدق ما يصح أن يسمى كتابا سماويا من الكتب السابقة بما فيها الإنجيل والتوراة والزبور، ويصح أن يكون ( أل ) للعهد أيضا، وهو العهد الذكرى إذ ذكر من قبل كتابان من الكتب السماوية وهما التوراة والإنجيل، وعبر عنهما بالكتاب باعتبار الجنس، ولأن كليهما متمم للآخر فهما في معنى كتاب واحد.
والناحية الثانية : مما يدل على مكانة القرآن هو أنه يهيمن على الكتب السابقة، فقد قال تعالى في مقامه بالنسبة لغيره من كتب السماء : ومهيمنا عليه . والمعنى أنه حاكم بصحة ما فيه، وشاهد بصدقه ومقرر لمعانيه الباقية التي لم يعتريها نسخ، وفق ذلك يتبين الصحيح الذي نزل، ويشير إلى المحذوف الذي حذفه الأخلاف، إذ نسوا حظا مما ذكروا به، وهناك قراءة بفتح الميم، ذكرها الزمخشري في الكشاف١، ويكون المعنى أنه ( مهيمن ) عليه أي مراقب محفوظ، كما قال تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( ٩ ) ( الحجر ). وقد وضح الزمخشري المعنى على هذه القراءة بقوله رضي الله تعالى عنه :"أي هومن عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل، كما قال تعالى : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه... ( ٤٢ ) ( فصلت ). والذي هيمن عليه الله عز وجل أو الحفاظ في كل بلد، لو حرف منه أو حركة أو سكون لتنبه له كل أحد، ولاشمأزوا رادين ومنكرين".
أي أن الله تعالى هيمن عليه وحفظه إلى يوم الدين والحفاظ للقرآن جيلا بعد جيل هم بتوفيق الله تعالى شاهدون مانعون لكل تغيير وتبديل، لأنهم يحفظونه في صدورهم، ولا يتركونه للقرطاس الذي قد يرد عليه المحو والإثبات والتغيير والتبديل، وبذلك اختص القرآن بالصيانة من بين الكتب السماوية، وهو قد حفظه بنصه وقراءاته، وطريق تلاوته، فالله سبحانه وتعالى هو الذي رتله ترتيلا، بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كما قال تعالى : وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا( ٣٢ ) ( الفرقان ).
فاحكم بينهم بما أنزل الله الفاء هنا للإفصاح لأنها تومئ إلى شرط مقدر، والمعنى على هذا : إذا كان الكتاب قد أنزل إليك من لدن الله العلي القدير عالم غيب السماوات والأرض، وأنه يهيمن على الكتب السابقة ومحفوظ بحفظ الله تعالى إلى يوم الدين، فاحكم بين اليهود والنصارى ومن يعاصرونك من الناس بهذا الذي جاء به، لأنه نزل لتحكم به أنت ومن يتولى الحكم من بعدك، ولم يقل سبحانه وتعالى لتحكم به، بل ترك الضمير وعبر بالموصول للإشارة إلى أن السبب الموجب للحكم أنه منزل من عند الله، إذ إن الموصول إذا كان في ضمن حكم تكون الصلة هي علة الحكم، والسبب فيه وعلى ذلك يكون حكم القرآن وهو حكم الله تعالى الذي لا يختلف باختلاف العصور، ولا يتغير بتغير الأوقات، لأنه شريعة الله الذي هو بكل شيء عليم، يعلم الناس وما يصلح لهم في ماضيهم وقابلهم، وهذا يفيد أن اليهود الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم ومن جاءوا بعدهم مخاطبون بشريعة القرآن، وأنه نسخ ما قبله من الشرائع، إلا ما جاء النص بوجوب العمل به كالقصاص، أو ما لم يثبت النسخ والمعول في الحالين هو القرآن و ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، ولقد روي أنه عليه السلام ذكر أن موسى لو كان حيا ما وسعه إلا الإيمان به عليه الصلاة والسلام. ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق الضمير في قوله تعالى : أهواءهم يعود إلى اليهود الذين تحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأرادوا أن يحكموا بما لم ينزل من عند الله، مع أن الحكم عندهم في التوراة التي بأيديهم منصوص عليه، ولم ينسخه القرآن الكريم، وكان مما بقي وهو القصاص العادل.
وقوله تعالى : ولا تتبع أهواءهم فيه إشارات بيانية نتكلم فيها، وذكرها فيه بيان معنى النص الكريم.
أولاها : قوله تعالى : ولا تتبع أهواءهم أكثر العلماء قالوا : إن قوله تعالى : ولا تتبع أهواءهم متضمن معنى لا تنحرف، بدليل أنه تعدى بعن في قوله تعالى : عما جاءك من الحق . والمعنى في الجملة لا تتبع أهواءهم منحرفا عما جاءك من الحق، وهو ما نزل به القرآن الكريم ولذلك نرى أن قوله تعالى : ولا تتبع أهواءهم لا تضمين فيها، بل قوله تعالى : عما جاءك من الحق . يتعلق بحال محذوفة، والمرمى من هذه الجملة السامية أن الخروج عما أنزل الله تعالى باتباع أهوائهم الفاسدة المردية فيه انحراف عن الحق، وخروج عن الجادة، المستقيمة، وبعد عن الإنصاف في ذاته وكذلك الشأن فيمن يعدل عن حكم الله تعالى إتباعا لأهواء الناس، وإرضاء للشهوات والرغبات المنحرفة.
الإشارة البيانية الثانية : في قوله تعالى : عما جاءك من الحق فيه إشارة إلى أن الذي يبتلى بأمثال هؤلاء اليهود ومن سار على طريقهم في هذه الأرض يكون بين أمرين، إما أن يطيع الهوى والشهوة وفيهما الفساد، وإما أن يطيع ما جاء من عند الله، وفيه العدل والهدى والرشاد، وأي الطريقين أهدى للوصول إلى الصلاح الذي لا فساد يعكره.
الإشارة الثالثة : فيها بيان أن ما يحكم به النبي صلى الله عليه وسلم هو الحق والعدل في ذاته وبذلك يكون حكم النبي عليه الصلاة والسلام قد تأيد بأمرين : أحدهما أنه الحق في ذاته الذي لا مرية في أنه العدل والأمر الثابت الذي لا تجوز مخالفته في ذاته، ثانيهما : أنه جاء من عند الله الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو بكل شيء عليم.
لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا الخطاب لليهود والنصارى والمسلمين وغيرهم من الذين أوتوا كتابا نزل بشريعة من عند الله تعالى، ويكون في الكلام التفات، فقد كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمتحدث عنهم أولئك الذين اتبعوا وحرفوا الكلم عن مواضعه، والمعنى على هذا لكل نبي من الأنبياء السابقين شرعة يسير نحوها، ويتجه إليها، ومنهاج واضح بين يسير في طريقه، ولا يلتوي عنه، ولا يخرج منه، فإن ما عداه متاهات لا يلتفت إليها، والذين يعاصرونه هم الذين يخاطبون بشرعته، ويسيرون في منهاجه، فالذين نزل فيهم القرآن مخاطبون بما جاء في القرآن وشرعته ومنهاجه لهم، لأن شرعة الأنبياء السابقين ومنهاجهم قد انتهيا بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وبقي من شرائعهم ما يقره القرآن، وما جاء النص بإقراره.
وتفسير الشرعة قد اتفق الفقهاء على أن المراد بها الشريعة وهي ما جاء من أحكام تكليفية يجب العمل بها أمرا ونهيا وندبا وإباحة، والمنهاج على هذا هو الطريق الواضح لتنفيذها، وبيان مجملها وتفصيل أحكامها الجزئية ولذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنها أن الشرعة هي النصوص التي تجيء في أصل الكتاب المنزل، والمنهاج هو ما يبينه النبي الذي أنزل عليه الكتاب، وفصل به الأحكام الجزئية٢.
هذا كله على أساس أن ضمير الخطاب قد وجه إلى اليهود والنصارى ممن كان لهم كتاب منزل، وقد يرد على هذا أن الرسالة الإلهية واحدة فكيف يجيء فيها الاختلاف وقد قال تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه...( ١٣ ) ( الشورى ).
ونقول في الإجابة عن ذلك : إن الوحدة الجامعة بين الرسالات الإلهية هو ما يتعلق بالعقيدة من إيمان بالوحدانية ونفي للوثنية، وإيمان باليوم الآخر، وما يجري فيه من حساب وعقاب، ونعيم وجنات تجري من تحتها الأنهار، وجحيم وسعير إلى آخر ما ورد في الغيبيات. أما الشرعة التي يجيء فيها الاختلاف فهو الأوامر والنواهي، وبعبارة عامة فهي التكليفات من حلال وحرام، فقد يشدد الله تعالى على بعض الأقوام لغلظ قلوبهم، ويخفف على آخرين كما قال تعالى : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ( ١٤٦ ) ( الأنعام ).
والمنهاج يختلف، فمن الأنبياء من دعا دعوته، وكان فريسة لاعتداء أعدائه من غير أن يقاوم بالسيف، ومنهم من شرع له أن يدفع الاعتداء بالسيف، وهكذا..
هذا الكلام كله على أساس أن الخطاب موجه إلى أهل الكتاب الذين سبقوا بكتاب أنزل عليهم، ونسخته شريعة القرآن، وقد جاء بعض المفسرين فقرر أن الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أي للمسلمين في حاضر أمرهم وقابله، وقد ذكر هذا الرأي ابن كثير في تفسيره، فقد قال :"وقيل المخاطب بهذه الآية هذه الأمة ومعناها لكل جعلنا القرآن منكم أيتها الأمة شرعة ومنهاجا أي هو لكم كلكم تقتدون به"، ومؤدى هذا الكلام جع

١ وهذه القراءة ليست في العشر المتواترة.
.

٢ ذكر البخاري تعليقا: الإيمان (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس). وقال ابن عباس: شرعة ومنهاجا سبيلا وسنة.
.

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير