ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

وبعد أن تكلم الحق عن التوراة والإنجيل جاء بما أنزل إلى النبي الخاتم.
وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون( ٤٨ ) :
وساعة نسمع " أنزلنا " نعرف أن هناك تشريعا جاء من الأعلى، وهناك من يريد أن يلبس الناس أهواءه فيقول : إن الإسلام دين تقدمي، أو يقول : الإسلام دين رجعي، وكلاهما يحاول أن يلبس الإسلام بما ليس فيه، ونقول : لا تقولوا ذلك ولكن قولوا الإسلام فوقي لأنه جاء من الله، فإن كان للتقدمية مزايا فهو تقدمي، وإن كان للرجعية مزايا فهو رجعي وإن كان لليمين مزايا فهو يميني وإن كان لليسار مزايا فالإسلام يساري، فقد جاء الإسلام بالاستطراق الاجتماعي والتقدم العلمي الأصيل لأن مفهوم التقدم هو أن يرتقي الإنسان بنفسه ارتقاء متقدما يجعل الناس متكافئين.
إن الإسلام ليس تقدميا فقط بالنسبة للحياة الدنيا ولكن بالنسبة لحياة أخرى خالدة فوق هذه الحياة، إن الذين يناقشون تلك الأفكار لا يحسنون فهم أفكارهم سواء أكانت تقدمية أم رجعية أم يمينية أم يسارية ونرى أن المناهج المعاصرة التي تسبب كل هذا الصراع في الدنيا من شرق وغرب هي : الرأسمالية والشيوعية والاشتراكية والوجودية وغيرها.
وعندما ننظر على سبيل المثال إلى القائمين على أمر الثورة الشيوعية عام١٩١٧، نجد قولهم : إنهم مازالوا في بداية الطريق إلى الشيوعية ولكنه اختيار الطريق الاشتراكي.
كان يجب أن يتجهوا إلى ما نادوا به، ولكن ها نحن أولاء نرى أنهم كلما تقدموا في الزمن تراجعوا عن أفكارهم الأولى، حتى انقلبوا على أنفسهم وذلك دليل على أن المنهج الذي اتخذوه لأنفسهم غير صحيح.
والمنهج الرأسمالي أظل كما هو ؟ لا، لأن الأحداث قد اضطرت الرأسمالية أن تعطي العمال حقوقا وبذلك لم تبق لرأس المال شراسته، كما سارت الشيوعية إلى معظم أساليب الرأسمالية، والرأسمالية سارت إلى بعض من أساليب الاشتراكية وهما إذن يريدان أن يلتقيا، ولكن الإسلام أوجد هذا اللقاء من البداية، فاحترم رأس المال، واحترم العمل وكل إنسان لزم حدوده وضمن وجود واستمرار حركة الحياة، ولذلك نجد الرأسمالية تقول : يجب أن توفر الحوافز للعمل، ولم تصل الشيوعية أيضا إلى مداها، بل قامت بإهدار حقوق الناس، ثم ماذا عن الذين لم تمتد إليهم يد الشيوعية قبل أن توجد وكان فيهم من يستغل الناس ؟.
كان العقل يحتم أن تؤمن الشيوعية بأن هناك آخرة يعاقب فيها من استغلوا الناس من قبل، ومن مصلحتهم إذن أن توجد آخرة، وكان من اللازم أن يكونوا متدينين وكذلك الرأسمالية التي لا تعترف إلا بالربح المادي، امتلأت مجتمعاتها بالضحايا الذين فقدوا المعنويات، وقول الحق : " أنزلنا " يعتبر أن هناك منهجا نزل من أعلى، وحين نأخذ معطيات البيان القرآني، ونجده سبحانه يبلغنا تعاليمه : " قل تعالوا " أي ارتفعوا إلى مستوى السماء ولا تهبطوا إلى حضيض الأرض.
ولذلك قال الحق : " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق " ونرى أن آيات القرآن تتآزر وتخدم كل منها الأخرى ونزول الكتاب بالحق يحتاج إلى صدق دليل أنه ينزل من الله حقا، وأن تأتي كل قوانين الحق في حركة الحياة بالانسجام لا بالتنافر، وهناك آية تشرح كلمة " الحق " :
وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ( من الآية١٠٥سورة الإسراء ).
أي أنه نزل من عند الله وليس من صناعة بشر، ( وبالحق نزل ) أي نزل بالمنهج من عند الله الذي يقيم منطق الحق في كل نفس وكل مكان ويضمن كل حق يقيم حركة الحياة.
وهناك أجملت الآية فقالت :" وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب " أي أن القرآن مصدق للكتب السماوية السابقة وما الفارق بين كلمة " الكتاب " الأولى التي جاءت في مصدر الآية وكلمة " الكتاب " الثانية ؟.
إننا نعلم أن هناك " ال " للجنس، و " ال " للعهد، فيقال " لقيت رجلا فأكرمت الرجل "، أي الرجل المعهود الذي قابلته فكلمة الكتاب الأولى اللام فيها للعهد أي الكتاب المعهود المعروف وهو القرآن وكلمة الكتاب الثانية يراد بها الجنس أي الكتب المنزلة على الأنبياء قبله، فالقرآن مهيمن رقيب عليها، لأنها قد دخلها التحريف والتزييف.
كلمة " الحق " إذن تعني أن كتاب الله الخاتم لكتبه المنزلة وهو القرآن قد نزل بالحق الثابت في كل قضايا الكون ومطلوب حركة الإنسان ونزل بالحق بحيث لم يصبه تحريف ولا تغيير.
إذن فالحق هو في مضمونه وفي ثبوت نزوله وقد نزل القرآن بعد كتب أنزلها الله متناسبة مع الأزمنة التي نزلت فيها لأنه سبحانه خلق الخلق لمهمة أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن يعمروا هذا الكون، بما أمدهم به من عقل يفكر، وطاقات تنفذ ومادة في الكون تنفعل فإن أرادوا أصل الحياة مجردا عن أي ترق أو إسعاد فلهم في مقومات الأرض ما يعطيهم، وإن أرادوا أن يرتقوا بأنفسهم فعليهم أن يعملوا العقل الذي وهبه الله ليخدم الطاقات التي خلقها الله في المادة التي خلقها الله، وحينئذ يأخذون أسرار الله من الوجود.
إن أسرار الله في الوجود كثيرة وتفعل لنا وإن لم نعرف نحن السر فنجد الجاذبية التي تمسك الأفلاك تفعل لنا، وإن لم نكن قد اكتشفنا الجاذبية إلا أخيرا، والكهرباء السارية في الكون سلبا وإيجابا تعمل لنا وإن لم نعرف ما تنطوي عليه من سر.
إن الحق سبحانه حين يريد ميلاد سر في الكون سبحانه يمد الخلق بأسباب بروز هذا السر، واعلموا أن كل سر من أسرار الكون المسخر للإنسان له ميلاد كميلاد الإنسان نفسه، إما أن يصادف هذا الميلاد عمل العقل في مقدمات تنتهي إليه، وحينئذ يأتي الميلاد مع مقدمات استعملها البشر فوصلوا إلى النتيجة، تماما مثل التمرين الهندسي الذي يقوم الطالب بحله بعد أن يعطيه الأستاذ بعضا من المعطيات ويستخدمها التلميذ كمقدمات ليستنبط ما يريد المدرس أن يستنبطه من مطلوب الإثبات فإن صادف أن العقل بحث في الشيء معمليا وتجريبيا وصل ميلاد السر مع البحث، وإن جاء ميلاد السر في الكون ولم يشغل الإنسان نفسه ببحث مقدمات توصل إليه وأراد ذلك الميلاد للسر فماذا يكون الموقف ؟
أيمنع الله السر لأننا لم نعمل ؟ لا، بل يخرج سبحانه السر إلى الوجود كما نسمع دائما عن مصادفة ميلاد شيء على يد باحث كان يبحث في شيء آخر فنقول : إن هذا السر خرج إلى الوجود مصادفة.
وإذا نظرت إلى الابتكارات والاختراعات وأمهات المسائل التي اكتشفت لوجدتها من الصنف الثاني ونجد المفكر أو العالم وقد غرق في بحث ما، ثم يعطيه الله سرا من أسرار الكون لم يكن يبحث عنه، فيقال عن الاكتشاف الجديد : إنه جاء مصادفة، وحينما جعل الله لكل سر ميلادا، فهو قد أعطى خلقه حياة من واسع فضله، وأعطاه قدرة من فيض قدرته وأعطاه علما من عنده ( وعلمناه من لدنا علما )، ووهبه حكمة يؤتي بها خيرا " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " وهو سبحانه وتعالى يريد من خلقه أن يتفاعلوا مع الكون ليبرزوا الأشياء، وإذا كان سبحانه يريد منا أن ننفعل هذا الانفعال فلا بد أن يضع المنهج الذي يصون طاقتنا وفكرنا مما يبددهما.
والذي يبدد أفكار الناس وطاقاتهم هو تصارع الأهواء، فالهوى يصادم الهوى، والفكرة قد تصادم فكرة وأهواء الناس مختلفة، لذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يضمن لنا اتفاق الأهواء حتى نصدر في كل حركاتنا عن هوى واحد، وهو ما أنزله الخالق الأعلى الذي لا تغيره تلك الأهواء أما ما لا تختلف فيه الأهواء فتركنا لكي نبحث فيه لأننا سنتفق فيه قهرا عنا، ولذلك نقول دائما : لا توجد اختلافات في الأفكار المعملية التجريبية المادية، فما وجدنا كهرباء روسية وكهرباء أمريكية لأن المعمل لا يجامل والمادة الصماء لا تحبي والنتيجة المعملية تخرج بوضوحها واحدة. إننا نرى اتفاق العلماء شرقا وغربا في معطيات المادة التجريبية وتحول كل بلد أن يسرق من البلد الآخر ما انتهى إليه من نتائج لتدخلها على حضارتها بينما يختلف الأمر في الأهواء البشرية، فكل بلد يحاول أن يبعد هوى الآخر عن حدوده، لأن الأهواء لا تلتقي أبدا، والحق قد وضع حركة الحياة لتنفعل ب " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " مما تختلف فيه الأهواء ليضمن اتحادنا وعدم تعاند الطاقات فينا، بل تتساند معا.
ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ( من الآية٧١سورة المؤمنون ).
إذن فمنهج الله في كونه إنما جاء لينظم حركة الإنسان فيما تختلف فيه الأهواء أما الحركة فيما لا تختلف فيه الأهواء فقد تركها سبحانه حرة طليقة، لأن البشر يتفقون فيها قهرا عنهم، لأن المادة لا تجامل والمعمل لا يحابي.
ولذلك قلنا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه الله نبيا خاتما أعطى ب " افعل ولا تفعل " أما بالنسبة للأمر المادي المعملي فقد جعل أمره في ذات النبي صلى الله عليه وسلم فعندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان أهلها يأبرون النخل، أي يلقحونه ليثمر، فمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوم يلقحون فقال : " لو لم تفعلوا لصلح ".
فلم يأبروا النخل، فخرج شيصا أي بسرا رديئا، وخاب النخل، ومر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما لنخلكم ؟ قالوا قلت كذا وكذا فقال صلى الله عليه وسلم : " إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لم أكذب على الله عز وجل ". وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال :" إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر ".
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلنها قضية كونية مادية تجريبية معملية :( أنتم أعلم بأمر دنياكم ). ١
أي أنه صلى الله عليه وسلم ترك للأمة إدارة شئونها التجريبية ولم يكن ذلك القول تركا للحبل على الغارب في شئون المنهج، فقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفيصل فيما تتدخل فيه السماء، وفيما تتركه السماء للبشر، وأعمار الناس كما نعلم تختلف، فنحن نقول للإنسان طفولة وله فتوة وشباب وله اكتمال رجولة ونضج لذلك يعطي الحق من الأحكام ما يناسب هذا المجتمع يعطي أولا الاحتياج المادي للطفولة وعند عصر الفتوة يعطيه المسائل الإدراكية، وعندما يصل إلى الرشد يعطيه زمام الحركة في الكون على ضوء المنهج فكانت رسالة الإسلام على ميعاد مع رشد الزمام، فأمن الحق سبحانه أتباع محمد صلى الله عليه وسلم أن يقفوا ليحموا حركة الإنسان من أهواء البشر، وكانت الرسل تأتي من عند الله بالبلاغ للمجتمعات البشرية السابقة على الإسلام وكانت السماء هي التي تؤدب ولكن عندما اكتمل رشد الإنسانية رأينا الرسول يبلغ، ويوكله الله في أن يؤدب من يخرج على منهج الله في حركة الحياة، لأنه صلى الله عليه وسلم أصبح مأمونا على ذلك.
وإذا نظرت إلى الكون قديما لوجدته كونا انعزاليا فكل جماعة في مكان لا تعلم شيئا عن الجماعة الأخرى وكل جماعة لها نظامها وحركتها وعيشها وداءاتها. والإسلام جاء على اجتماع للبشر جميعا،

١ رواه مسلم عن أنس وعائشة..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير