ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

يعني: أن تدول للدهر دولة، فنحتاج إلى نصرتهم إيانا، فنحن نواليهم لذلك. فقال الله تعالى ذكره لهم:"فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين".
* * *
القول في تأويل قوله: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده"، فلعل الله أن يأتي بالفتح. (١)
* * *
ثم اختلفوا في تأويل"الفتح" في هذا الموضع.
فقال بعضهم: عُنى به ههنا، القضاء.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٧٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فعسى الله أن يأتي بالفتح"، قال: بالقضاء.
* * *
وقال آخرون: عني به فتح مكة.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٧٣ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فعسى الله أن يأتي بالفتح"، قال: فتح مكة.
* * *
و"الفتح" في، كلام العرب، هو القضاء، كما قال قتادة، ومنه قول الله تعالى

(١) انظر تفسير"عسى" فيما سلف ٤: ٢٩٨/٨: ٥٧٩.

صفحة رقم 405

ذكره: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ) [سورة الأعراف: ٨٩].
وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعدَ الله نبيه محمدًا ﷺ بقوله:"فعسى الله أن يأتي بالفتح" فتح، مكة، لأن ذلك كان من عظيم قضاءِ الله، وفَصْل حُكمه بين أهل الإيمان والكفر، ومقرِّرًا عند أهل الكفر والنفاق، (١) أن الله معلي كلمته وموهن كيد الكافرين. (٢)
* * *
وأما قوله:"أو أمر من عنده"، فإن السدي كان يقول في ذلك، ما:-
١٢١٧٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أو أمر من عنده" قال:"الأمر"، الجزية.
* * *
وقد يحتمل أن يكون"الأمر" الذي وعد الله نبيه محمدًا ﷺ أن يأتي به هو الجزية، ويحتمل أن يكون غيرها. (٣) غير أنه أيّ ذلك كان، فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله، ومما يسوء المنافقين ولا يسرُّهم. وذلك أن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنّ ذلك الأمر إذا جاء، أصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين.
* * *
وأما قوله:"فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين"، فإنه يعني هؤلاء المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود والنصارى. يقول تعالى ذكره: لعل الله أن يأتي بأمرٍ من عنده يُديل به المؤمنين على الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، فيصبح هؤلاء المنافقون على ما أسرُّوا في أنفسهم من مخالّة اليهود والنصارى ومودّتهم، وبغْضَة المؤمنين ومُحَادّتهم،"نادمين"، كما:-

(١) في المطبوعة والمخطوطة: "ويقرر"، وكأن الصواب ما أثبت.
(٢) انظر تفسير"الفتح" فيما سلف ٢: ٢٥٤، ٣٣٢/٩: ٣٢٣، ٣٢٤.
(٣) في المخطوطة: "أن يكون إلى غيرها"، وكأنه خطأ من الناسخ.

صفحة رقم 406

جامع البيان في تأويل آي القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري

تحقيق

أحمد شاكر

الناشر مؤسسة الرسالة
الطبعة الأولى، 1420 ه - 2000 م
عدد الأجزاء 24
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية