نصوص هذا الدرس كله نؤيد ما ذهبنا إليه في تقديم السورة، من أن هذه السورة لم تنزل كلها بعد سورة الفتح التي نزلت في الحديبية في العام السادس الهجري ؛ وأن مقاطع كثيرة فيها يرجح أن تكون قد نزلت قبل ذلك ؛ وقبل إجلاء بني قريظة في العام الرابع - عام الأحزاب - على الأقل، إن لم يكن قبل هذا التاريخ أيضاً.. قبل إجلاء بني النضير بعد أحد، وبني قينقاع بعد بدر..
فهذه النصوص تشير إلى أحداث، وإلى حالات واقعة في الجماعة المسلمة بالمدينة، وإلى ملابسات ومواقف لليهود وللمنافقين، لا تكون أبداً بعد كسر شوكة اليهود ؛ وآخرها كان في وقعة بني قريظة.
فهذا النص عن إتخاذ اليهود والنصارى أولياء. وهذا التحذير - بل التهديد - بأن من يتولهم فهو منهم. وهذه الإشارة إلى أن الذين في قلوبهم مرض يوالونهم، ويحتجون بأنهم يخشون الدوائر. وتنفير المسلمين من الولاء لمن يتخذون دينهم هزواً ولعباً، والإشارة إلى أن هؤلاء يتخذون صلاة المسلمين - إذا قام المسلمون إلى الصلاة - هزواً ولعباً... كل أولئك لا يكون إلا ولليهود في المدينة من القوة والنفوذ والتمكن، ما يجعل من الممكن أن تقوم هذه الملابسات، وأن تقع هذه الحوادث ؛ وأن يحتاج الأمر إلى هذا التحذير المشدد، وإلى هذا التهديد المكرر ؛ ثم إلى بيان حقيقة اليهود ؛ والتشهير بهم والتنديد ؛ وإلى كشف كيدهم ومناوراتهم ومداوراتهم على هذا النحو، المنوع الأساليب.
وقد ذكرت بعض الروايات أسباباً لنزول آيات في هذا الدرس ؛ يرجع بعضها إلى حادث بني قينقاع بعد غزورة بدر. وموقف عبدالله بن أبى بن سلول. وقوله في ولائه لليهود وولاء اليهود له : إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي !
وحتى بدون هذه الروايات، فإن الدراسة الموضوعية لطبيعة النصوص وجّوها، ومراجعتها على أحداث السيرة ومراحلها وأطوارها في المدينة، تكفي لترجيح ما ذهبنا إليه في تقديم السورة عن الفترة التي نزلت فيها..
وتشير نصوص هذا الدرس إلى طريقة المنهج القرآني في تربية الجماعة المسلمة وإعدادها لدورها الذي قدره الله لها ؛ كما تشير إلى مقّومات هذا المنهج والمبادىء التي يريد تقريرها في النفس المسلمة وفي الجماعة المسلمة في كل حين. وهي مقومات ومبادىء ثابته، ليست خاصة بجيل من هذه الأمة دون جيل. إنما هي أساس النشأة للفرد المسلم وللجماعة المسلمة في كل جيل..
إن هذا القرآن يربي الفرد المسلم على أساس إخلاص ولائه لربه ورسوله وعقيدته وجماعته المسلمة، وعلى ضرورة المفاصلة الكاملة بين الصف الذي يقف فيه وكل صف آخر لا يرفع راية الله، ولا يتبع قيادة رسول الله ؛ ولا ينضم إلى الجماعة التي تمثل حزب الله.
وإشعاره أنه موضع اختيار الله، ليكون ستاراً لقدرته، وأداة لتحقيق قدره في حياة البشر وفي وقائع التاريخ. وأن هذا الاختيار - بكل تكاليفه - فضل من الله يؤتيه من يشاء. وأن موالاة غير الجماعة المسلمة معناه الارتداد عن دين الله، والنكول عن هذا الاختيار العظيم والتخلي عن هذا التفضل الجميل..
وهذا التوجه واضح في النصوص الكثيرة في هذا الدرس :( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء.. بعضهم أولياء بعض.. ومن يتولهم منكم فإنه منهم.. إن الله لا يهدي القوم الظالمين ).. ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه. أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم.. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله واسع عليم ).. ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون )
ثم يربى القرآن وعي المسلم بحقيقة أعدائه، وحقيقة المعركة التي يخوضها معهم ويخوضونها معه. إنها معركة العقيدة. فالعقيدة هي القضية القائمة بين المسلم وكل أعدائه.. وهم يعادونه لعقيدته ودينه، قبل أي شيء آخر، وهم يعادونه هذا العداء الذي لا يهدأ لأنهم هم فاسقون عن دين الله، ومن ثم يكرهون كل من يستقيم على دين الله :( قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل من قبل. وأن أكثركم فاسقون ؟ ) فهذه هي العقدة ؛ وهذه هي الدوافع الأصيلة !
وقيمة هذا المنهج، وقيمة هذه التوجيهات الأساسية فيه، عظيمة. فإخلاص الولاء لله ورسوله ودينه وللجماعة المسلمة القائمة على هذا الأساس، ومعرفة طبيعة المعركة وطبيعة الأعداء فيها.. أمران مهمان سواء في تحقيق شرائط الإيمان أو في التربية الشخصية للمسلم، أو في التنظيم الحركي للجماعة المسلمة.. فالذين يحملون راية هذه العقيدة لا يكونون مؤمنين بها أصلا، ولا يكونون في ذواتهم شيئا، ولا يحققون في واقع الأرض أمرا ما لم تتم في نفوسهم المفاصلة الكاملة بينهم وبين سائر المعسكرات التي لا ترفع رايتهم، وما لم يتمحض ولاؤهم لله ورسوله ولقيادتهم الخاصة المؤمنة به، وما لم يعرفوا طبيعة أعدائهم وبواعثهم وطبيعة المعركة التي يخوضونها معهم، وما لم يستيقنوا أنهم جميعا إلب عليهم، وأن بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة والعقيدة الإسلامية على السواء.
والنصوص في هذا الدرس لا تقف عند كشف بواعث المعركة في نفوس أعداء الجماعة المسلمة. بل تكشف كذلك طبيعة هؤلاء الأعداء ومدى فسقهم وانحرافهم، ليتبين المسلم حقيقة من يحاربه، وليطمئن ضميره إلى المعركة التي يخوضها، وليقتنع وجدانه بضرورة هذه المعركة، وأنه لا مفر منها :
( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء.. بعضهم أولياء بعض ).. ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا - من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار - أولياء. واتقوا الله إن كنتم مؤمنين. وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون )..
وإذا جاؤوكم قالوا : آمنا. وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به، والله أعلم بما كانوا يكتمون. وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان، وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ! :( وقالت اليهود : يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا. بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء. وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرًا ).. ومن هذه صفاتهم، ومواقفهم من الجماعة المسلمة، وتألبهم عليها، واستهزاؤهم بدينها وصلاتها، لا مناص للمسلم من دفعهم وهو مطمئن الضمير..
كذلك تقرر النصوص نهاية المعركة ونتيجتها، وقيمة الإيمان في مصائر الجماعات في هذه الحياة الدنيا قبلالجزاء في الحياة الآخرة :( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ).. ( ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم. ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل، وما أنزل إليهم من ربهم، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم )..
كما تقرر صفة المسلم الذي يختاره الله لدينه، ويمنحه هذا الفصل العظيم في اختياره لهذا الدور الكبير :( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم.. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم )..
وكل هذه التقريرات خطوات في المنهج، وفي صياغة الفرد المسلم، والجماعة المسلمة على الأساس المتين.
وبعد فلقد سلك المنهج القرآني في هذا السياق طرقا منوعة، لنهي الذين آمنوا عن تولي المخالفين لهم في عقيدتهم من أهل الكتاب والمشركين، ولتقرير هذه القاعدة الإيمانية في ضمائرهم وإحساسهم وعقولهم. مما يدل على أهمية هذه القاعدة في التصور الإسلامي ؛ وفي الحركة الإسلامية على السواء..
وقد رأينا من قبل أنه سلك في النداء الأول طريق النهي المباشر، وطريق التخويف من أن يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده، فينكشف ستر المنافقين.. وسلك في النداء الثاني طريق التحذير من الردة بموالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين ؛ وطريق التحبيب في أن يكونوا من العصبة المختارة. ممن يحبهم الله ويحبونه ؛ وطريق الوعد بالنصر لحزب الله الغالب..
فالآن نجده في النداء الثالث في هذا الدرس للذين آمنوا يثير في نفوسهم الحمية لدينهم ولعبادتهم ولصلاتهم التي يتخذها أعداؤهم هزوا ولعبا. ونجده يسوي في النهي عن الموالاة بين أهل الكتاب والكفار، وينوط هذا النهي بتقوى الله ؛ ويعلق على الاستماع إليه صفة الإيمان ؛ ويقبح فعلة الكفار وأهل الكتاب ويصفهم بأنهم لا يعقلون :
( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا - من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار - أولياء، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين. وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا. ذلك بأنهم قوم لا يعقلون )..
وهي ملابسة مثيرة لكل من له حمية المؤمن ؛ الذي لا يرى لنفسه كرامة إذا أهين دينه، وأهينت عبادته، وأهينت صلاته، واتخذ موقفه بين يدي ربه مادة للهزء واللعب.. فكيف يقوم ولاء بين الذين آمنوا وبين أحد من هؤلاء الذين يرتكبون هذه الفعلة ؛ ويرتكبونها لنقص في عقولهم. فما يستهزىء بدين الله وعبادة المؤمنين به، إنسان سوي العقل ؛ فالعقل - حين يصح ويستقيم - يرى في كل شيء من حوله موحيات الإيمان بالله.
وحين يختل وينحرف لا يرى هذه الموحيات، لأنه حينئذ تفسد العلاقات بينه وبين هذا الوجود كله. فالوجود كله يوحي بأن له إلها يستحق العبادة والتعظيم. والعقل حين يصح ويستقيم يستشعر جمال العبادة لإله الكون وجلالها كذلك، فلا يتخذها هزوا ولعبا وهو صحيح مستقيم.
ولقد كان هذا الاستهزاء واللعب يقع من الكفار، كما كان يقع من اليهود خاصة من أهل الكتاب، في الفترة التي كان هذا القرآن يتنزل فيها على قلب رسول الله [ ص ] للجماعة المسلمة في ذلك الحين. ولم نعرف من السيرة أن هذا كان يقع من النصارى.. ولكن الله - سبحانه - كان يضع للجماعة المسلمة قاعدة تصورها ومنهجها وحياتها الدائمة. وكان الله - سبحانه - يعلم ما سيكون على مدار الزمان مع أجيال المسلمين. وها نحن أولاء رأينا ونرى أن أعداء هذا الدين وأعداء الجماعة المسلمة على مدار التاريخ أمس واليوم من الذين قالوا : إنهم نصارى كانوا أكثر عددا من اليهود ومن الكفار مجتمعين ! فهؤلاء - كهؤلاء - قد ناصبوا الإسلام العداء، وترصدوه القرون تلو القرون، وحاربوه حربا لا هوادة فيها منذ أن اصطدم الإسلام بالدولة الرومانية على عهد أبى بكر وعمر - رضي الله عنهما - حتى كانت الحروب الصليبية ؛ ثم كانت " المسألة الشرقية " التي تكتلت فيها الدول الصليبية في أرجاء الأرض للإجهاز على الخلافة ؛ ثم كان الاستعمار الذي يخفي الصليبية بين أضلاعه فتبدو في فلتات لسانه ؛ ثم كان التبشير الذي مهد للاستعمار وسانده ؛ ثم كانت وما تزال تلك الحرب المشبوبة على كل طلائع البعث الإسلامي في أي مكان في الأرض.. وكلها حملات يشترك فيها اليهود والنصارى والكفار والوثنيون..
وهذا القرآن جاء ليكون كتاب الأمة المسلمة في حياتها إلى يوم القيامة. الكتاب الذي يبني تصورها الاعتقادي، كما يبني نظامها الاجتماعي، كما يبني خطتها الحركية.. سواء.. وها هو ذا يعلمها ألا يكون ولاؤها إلا لله ولرسوله وللمؤمنين ؛ وينهاها أن يكون ولاؤها لليهود والنصارى والكافرين. ويجزم ذلك الجزم الحاسم في هذه القضية، ويعرضها هذا العرض المنوع الأساليب.
إن هذا الدين يأمر أهله بالسماحة، وبحسن معاملة أهل الكتاب ؛ والذين قالوا : إنهم نصارى منهم خاصة.. ولكنه ينهاهم عن الولاء لهؤلاء جميعا.. لأن السماحة وحسن المعاملة مسألة خلق وسلوك. أما الولاء فمسألة عقيدة ومسألة تنظيم. إن الولاء هو النصرة. هو التناصر بين فريق وفريق ؛ ولا تناصر بين المسلمين وأهل الكتاب - كما هو الشأن في الكفار - لأن التناصر في حياة المسلم هو - كما أسلفنا - تناصر في الدين ؛ وفي الجهاد لإقامة منهجه ونظامه في حياة الناس ؛ ففيم يكون التناصر في هذا بين المسلم وغير المسلم. وكيف يكون ؟ !
إنها قضية جازمة حاسمة لا تقبل التميع، ولا يقبل الله فيها إلا الجد الصارم ؛ الجد الذي يليق بالمسلم في شأن الدين..
نصوص هذا الدرس كله نؤيد ما ذهبنا إليه في تقديم السورة، من أن هذه السورة لم تنزل كلها بعد سورة الفتح التي نزلت في الحديبية في العام السادس الهجري ؛ وأن مقاطع كثيرة فيها يرجح أن تكون قد نزلت قبل ذلك ؛ وقبل إجلاء بني قريظة في العام الرابع - عام الأحزاب - على الأقل، إن لم يكن قبل هذا التاريخ أيضاً.. قبل إجلاء بني النضير بعد أحد، وبني قينقاع بعد بدر..
فهذه النصوص تشير إلى أحداث، وإلى حالات واقعة في الجماعة المسلمة بالمدينة، وإلى ملابسات ومواقف لليهود وللمنافقين، لا تكون أبداً بعد كسر شوكة اليهود ؛ وآخرها كان في وقعة بني قريظة.
فهذا النص عن إتخاذ اليهود والنصارى أولياء. وهذا التحذير - بل التهديد - بأن من يتولهم فهو منهم. وهذه الإشارة إلى أن الذين في قلوبهم مرض يوالونهم، ويحتجون بأنهم يخشون الدوائر. وتنفير المسلمين من الولاء لمن يتخذون دينهم هزواً ولعباً، والإشارة إلى أن هؤلاء يتخذون صلاة المسلمين - إذا قام المسلمون إلى الصلاة - هزواً ولعباً... كل أولئك لا يكون إلا ولليهود في المدينة من القوة والنفوذ والتمكن، ما يجعل من الممكن أن تقوم هذه الملابسات، وأن تقع هذه الحوادث ؛ وأن يحتاج الأمر إلى هذا التحذير المشدد، وإلى هذا التهديد المكرر ؛ ثم إلى بيان حقيقة اليهود ؛ والتشهير بهم والتنديد ؛ وإلى كشف كيدهم ومناوراتهم ومداوراتهم على هذا النحو، المنوع الأساليب.
وقد ذكرت بعض الروايات أسباباً لنزول آيات في هذا الدرس ؛ يرجع بعضها إلى حادث بني قينقاع بعد غزورة بدر. وموقف عبدالله بن أبى بن سلول. وقوله في ولائه لليهود وولاء اليهود له : إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي !
وحتى بدون هذه الروايات، فإن الدراسة الموضوعية لطبيعة النصوص وجّوها، ومراجعتها على أحداث السيرة ومراحلها وأطوارها في المدينة، تكفي لترجيح ما ذهبنا إليه في تقديم السورة عن الفترة التي نزلت فيها..
وتشير نصوص هذا الدرس إلى طريقة المنهج القرآني في تربية الجماعة المسلمة وإعدادها لدورها الذي قدره الله لها ؛ كما تشير إلى مقّومات هذا المنهج والمبادىء التي يريد تقريرها في النفس المسلمة وفي الجماعة المسلمة في كل حين. وهي مقومات ومبادىء ثابته، ليست خاصة بجيل من هذه الأمة دون جيل. إنما هي أساس النشأة للفرد المسلم وللجماعة المسلمة في كل جيل..
إن هذا القرآن يربي الفرد المسلم على أساس إخلاص ولائه لربه ورسوله وعقيدته وجماعته المسلمة، وعلى ضرورة المفاصلة الكاملة بين الصف الذي يقف فيه وكل صف آخر لا يرفع راية الله، ولا يتبع قيادة رسول الله ؛ ولا ينضم إلى الجماعة التي تمثل حزب الله.
وإشعاره أنه موضع اختيار الله، ليكون ستاراً لقدرته، وأداة لتحقيق قدره في حياة البشر وفي وقائع التاريخ. وأن هذا الاختيار - بكل تكاليفه - فضل من الله يؤتيه من يشاء. وأن موالاة غير الجماعة المسلمة معناه الارتداد عن دين الله، والنكول عن هذا الاختيار العظيم والتخلي عن هذا التفضل الجميل..
وهذا التوجه واضح في النصوص الكثيرة في هذا الدرس :( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء.. بعضهم أولياء بعض.. ومن يتولهم منكم فإنه منهم.. إن الله لا يهدي القوم الظالمين ).. ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه. أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم.. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله واسع عليم ).. ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون )
ثم يربى القرآن وعي المسلم بحقيقة أعدائه، وحقيقة المعركة التي يخوضها معهم ويخوضونها معه. إنها معركة العقيدة. فالعقيدة هي القضية القائمة بين المسلم وكل أعدائه.. وهم يعادونه لعقيدته ودينه، قبل أي شيء آخر، وهم يعادونه هذا العداء الذي لا يهدأ لأنهم هم فاسقون عن دين الله، ومن ثم يكرهون كل من يستقيم على دين الله :( قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل من قبل. وأن أكثركم فاسقون ؟ ) فهذه هي العقدة ؛ وهذه هي الدوافع الأصيلة !
وقيمة هذا المنهج، وقيمة هذه التوجيهات الأساسية فيه، عظيمة. فإخلاص الولاء لله ورسوله ودينه وللجماعة المسلمة القائمة على هذا الأساس، ومعرفة طبيعة المعركة وطبيعة الأعداء فيها.. أمران مهمان سواء في تحقيق شرائط الإيمان أو في التربية الشخصية للمسلم، أو في التنظيم الحركي للجماعة المسلمة.. فالذين يحملون راية هذه العقيدة لا يكونون مؤمنين بها أصلا، ولا يكونون في ذواتهم شيئا، ولا يحققون في واقع الأرض أمرا ما لم تتم في نفوسهم المفاصلة الكاملة بينهم وبين سائر المعسكرات التي لا ترفع رايتهم، وما لم يتمحض ولاؤهم لله ورسوله ولقيادتهم الخاصة المؤمنة به، وما لم يعرفوا طبيعة أعدائهم وبواعثهم وطبيعة المعركة التي يخوضونها معهم، وما لم يستيقنوا أنهم جميعا إلب عليهم، وأن بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة والعقيدة الإسلامية على السواء.
والنصوص في هذا الدرس لا تقف عند كشف بواعث المعركة في نفوس أعداء الجماعة المسلمة. بل تكشف كذلك طبيعة هؤلاء الأعداء ومدى فسقهم وانحرافهم، ليتبين المسلم حقيقة من يحاربه، وليطمئن ضميره إلى المعركة التي يخوضها، وليقتنع وجدانه بضرورة هذه المعركة، وأنه لا مفر منها :
( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء.. بعضهم أولياء بعض ).. ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا - من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار - أولياء. واتقوا الله إن كنتم مؤمنين. وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون )..
وإذا جاؤوكم قالوا : آمنا. وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به، والله أعلم بما كانوا يكتمون. وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان، وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ! :( وقالت اليهود : يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا. بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء. وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرًا ).. ومن هذه صفاتهم، ومواقفهم من الجماعة المسلمة، وتألبهم عليها، واستهزاؤهم بدينها وصلاتها، لا مناص للمسلم من دفعهم وهو مطمئن الضمير..
كذلك تقرر النصوص نهاية المعركة ونتيجتها، وقيمة الإيمان في مصائر الجماعات في هذه الحياة الدنيا قبلالجزاء في الحياة الآخرة :( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ).. ( ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم. ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل، وما أنزل إليهم من ربهم، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم )..
كما تقرر صفة المسلم الذي يختاره الله لدينه، ويمنحه هذا الفصل العظيم في اختياره لهذا الدور الكبير :( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم.. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم )..
وكل هذه التقريرات خطوات في المنهج، وفي صياغة الفرد المسلم، والجماعة المسلمة على الأساس المتين.
وبعد فلقد سلك المنهج القرآني في هذا السياق طرقا منوعة، لنهي الذين آمنوا عن تولي المخالفين لهم في عقيدتهم من أهل الكتاب والمشركين، ولتقرير هذه القاعدة الإيمانية في ضمائرهم وإحساسهم وعقولهم. مما يدل على أهمية هذه القاعدة في التصور الإسلامي ؛ وفي الحركة الإسلامية على السواء..
وقد رأينا من قبل أنه سلك في النداء الأول طريق النهي المباشر، وطريق التخويف من أن يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده، فينكشف ستر المنافقين.. وسلك في النداء الثاني طريق التحذير من الردة بموالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين ؛ وطريق التحبيب في أن يكونوا من العصبة المختارة. ممن يحبهم الله ويحبونه ؛ وطريق الوعد بالنصر لحزب الله الغالب..
فالآن نجده في النداء الثالث في هذا الدرس للذين آمنوا يثير في نفوسهم الحمية لدينهم ولعبادتهم ولصلاتهم التي يتخذها أعداؤهم هزوا ولعبا. ونجده يسوي في النهي عن الموالاة بين أهل الكتاب والكفار، وينوط هذا النهي بتقوى الله ؛ ويعلق على الاستماع إليه صفة الإيمان ؛ ويقبح فعلة الكفار وأهل الكتاب ويصفهم بأنهم لا يعقلون :
( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا - من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار - أولياء، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين. وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا. ذلك بأنهم قوم لا يعقلون )..
وهي ملابسة مثيرة لكل من له حمية المؤمن ؛ الذي لا يرى لنفسه كرامة إذا أهين دينه، وأهينت عبادته، وأهينت صلاته، واتخذ موقفه بين يدي ربه مادة للهزء واللعب.. فكيف يقوم ولاء بين الذين آمنوا وبين أحد من هؤلاء الذين يرتكبون هذه الفعلة ؛ ويرتكبونها لنقص في عقولهم. فما يستهزىء بدين الله وعبادة المؤمنين به، إنسان سوي العقل ؛ فالعقل - حين يصح ويستقيم - يرى في كل شيء من حوله موحيات الإيمان بالله.
وحين يختل وينحرف لا يرى هذه الموحيات، لأنه حينئذ تفسد العلاقات بينه وبين هذا الوجود كله. فالوجود كله يوحي بأن له إلها يستحق العبادة والتعظيم. والعقل حين يصح ويستقيم يستشعر جمال العبادة لإله الكون وجلالها كذلك، فلا يتخذها هزوا ولعبا وهو صحيح مستقيم.
ولقد كان هذا الاستهزاء واللعب يقع من الكفار، كما كان يقع من اليهود خاصة من أهل الكتاب، في الفترة التي كان هذا القرآن يتنزل فيها على قلب رسول الله [ ص ] للجماعة المسلمة في ذلك الحين. ولم نعرف من السيرة أن هذا كان يقع من النصارى.. ولكن الله - سبحانه - كان يضع للجماعة المسلمة قاعدة تصورها ومنهجها وحياتها الدائمة. وكان الله - سبحانه - يعلم ما سيكون على مدار الزمان مع أجيال المسلمين. وها نحن أولاء رأينا ونرى أن أعداء هذا الدين وأعداء الجماعة المسلمة على مدار التاريخ أمس واليوم من الذين قالوا : إنهم نصارى كانوا أكثر عددا من اليهود ومن الكفار مجتمعين ! فهؤلاء - كهؤلاء - قد ناصبوا الإسلام العداء، وترصدوه القرون تلو القرون، وحاربوه حربا لا هوادة فيها منذ أن اصطدم الإسلام بالدولة الرومانية على عهد أبى بكر وعمر - رضي الله عنهما - حتى كانت الحروب الصليبية ؛ ثم كانت " المسألة الشرقية " التي تكتلت فيها الدول الصليبية في أرجاء الأرض للإجهاز على الخلافة ؛ ثم كان الاستعمار الذي يخفي الصليبية بين أضلاعه فتبدو في فلتات لسانه ؛ ثم كان التبشير الذي مهد للاستعمار وسانده ؛ ثم كانت وما تزال تلك الحرب المشبوبة على كل طلائع البعث الإسلامي في أي مكان في الأرض.. وكلها حملات يشترك فيها اليهود والنصارى والكفار والوثنيون..
وهذا القرآن جاء ليكون كتاب الأمة المسلمة في حياتها إلى يوم القيامة. الكتاب الذي يبني تصورها الاعتقادي، كما يبني نظامها الاجتماعي، كما يبني خطتها الحركية.. سواء.. وها هو ذا يعلمها ألا يكون ولاؤها إلا لله ولرسوله وللمؤمنين ؛ وينهاها أن يكون ولاؤها لليهود والنصارى والكافرين. ويجزم ذلك الجزم الحاسم في هذه القضية، ويعرضها هذا العرض المنوع الأساليب.
إن هذا الدين يأمر أهله بالسماحة، وبحسن معاملة أهل الكتاب ؛ والذين قالوا : إنهم نصارى منهم خاصة.. ولكنه ينهاهم عن الولاء لهؤلاء جميعا.. لأن السماحة وحسن المعاملة مسألة خلق وسلوك. أما الولاء فمسألة عقيدة ومسألة تنظيم. إن الولاء هو النصرة. هو التناصر بين فريق وفريق ؛ ولا تناصر بين المسلمين وأهل الكتاب - كما هو الشأن في الكفار - لأن التناصر في حياة المسلم هو - كما أسلفنا - تناصر في الدين ؛ وفي الجهاد لإقامة منهجه ونظامه في حياة الناس ؛ ففيم يكون التناصر في هذا بين المسلم وغير المسلم. وكيف يكون ؟ !
إنها قضية جازمة حاسمة لا تقبل التميع، ولا يقبل الله فيها إلا الجد الصارم ؛ الجد الذي يليق بالمسلم في شأن الدين..