ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

ويقول الحق بعد ذلك عن الذين غضب عليهم : وإذا جآؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهمقد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون ( ٦١ ) .
وهؤلاء هم الذين اتخذوا الدين هزوا ولعبا وسخرية. وهم ساعة يدخلون على المؤمنين يدخلون ومعهم الكفر. وعندما جلسوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرجوا أيضا بالكفر. أي أن الكفر قد لازمهم داخلين وخارجين. وكأن جلوسهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يزدهم أي شيء. وكان من الممكن أن يدخل إنسان على مجلسه صلى الله عليه وآله وسلم، وهو كافر، وبعد ذلك تمسه عناية الهداية فيخرج مؤمنا.
ومثال ذلك : فضالة بن عمير الليثي الذي جاء ليقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عام الفتح. وعندما مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفضالة قال له : ما كنت تحدث به نفسك ؟ فقال : لا شيء، كنت أذكر الله عز وجل. فضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال : أستغفر الله لك. ووضع يده عليه السلام على صدر فضالة. فكان فضالة يقول : والله ما رفع يده عن صدري حتى ما أجد على ظهر الأرض أحب إلي منه١.
لقد مسته العناية، فقد دخل – أولا – بكفره وخرج – ثانيا – بعميق الإيمان. لكن هؤلاء دخلوا بالكفر وخرجوا بالكفر، كأن الدخول كان نفاقا، بدليل قوله الحق : والله أعلم بما كانوا يكتمون وهذا القول دليل نفاقهم، فقد أعلنوا الإيمان لكنهم دخلوا بالكفر وخرجوا بالكفر. وكانوا يكتمون أن الدخول إلى رسول الله هو محض نفاق. وهذه خاصية لمن قالوا آمنا، ولكن كان دخولهم إلى الإسلام نفاقا ؛ لأن كفرهم أمر مستقر في قلوبهم لا يتزحزح، وكان يكفي في الأسلوب أن يقول الحق :
وقد دخلوا بالكفر وخرجوا به، ولكنه قال :( هم ) وذلك تحديدا لهويتهم الكافرة، فكأن عملية الدخول بالكفر والخروج بالكفر هي عملية مسبقة ؛ لذلك يكشفهم الحق : والله أعلم بما كانوا يكتمون .
وجاء سبحانه بأفعل التفضيل ( أعلم ) فكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من إشراقات الله عليه وتنويره له كان يعلم أيضا أنهم منافقون. ولكن علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل إلى علم الحق سبحانه وتعالى فعلم الله ذاتي وعلم رسول فيض منه – سبحانه -.
إذن فقوله الحق : الله أعلم لم يمنع أن هناك أناسا قد علموا أنهم منافقون. وقد استقر في ذهن النبي أنهم منافقون وأن الله أعلم بما كانوا يكتمون. والكتم هو حبس الإحساس النفسي أن يخرج وأن يظهر واضحا، ومحاولة الكتم عملية غير طبيعية لأنها قسرية. ويكاد كفرهم أن يظهر ويخرج فيحاولون أن يكتموه لأنهم يحرصون ألا ينكشفوا، ولكن علم الله لا تخفى عليه خافية.

١ رواه ابن عبد البر في الدرر وابن حجر في الإصابة..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير