المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السالفة بعض مخازيهم من مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكل السحت إلى نحو أولئك مما اختلت به نظم المجتمع في الأفراد والجماعات، فأصبحوا قوما أنانية، همة كل واحد منهم جمع المال واكتسابه على أي صورة كان وبأي وجهه جمع وقد أثر هذا في أخلاقهم وأعمالهم أشد الأثر كما تشهد بذلك كتب دينهم _ ذكر هنا أفظع مخازيهم وأقبحها، بجرأتهم على ربهم ووصفهم إياه بما ليس من صفته، وإنكارهم جميل أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم، وعفوه عن عظيم جرمهم توبيخا لهم، وتعريفا لنبيه صلى الله عليه وسلم قديم جهلهم، واحتجاجا له بأنه مبعوث ورسول، إذا أخبر بخفي علومهم ومكنون أخبارهم التي لا يعلمها إلا أحبارهم دون غيرهم من اليهود.
روى ابن إسحاق والطبراني عن ابن عباس قال ( ( قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس لنبي صلى الله عليه وسلم : إن ربك بخيل لا ينفق فأنزل الله وقالت اليهود الآية ) ) وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنها نزلت في فنحاص رأس يهود بني قينقاع. وروى ابن جرير عن عكرمة مثله، وروى عن مجاهد أنهم قالوا : لقد يجهدنا الله يا بني إسرائيل حتى جعل يده إلى نحره _ يريدون أنه ضيق عليهم الرزق.
وروى ابن عباس أنه قال : ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقة، لكنهم يقولون إنه بختل أمسك ما عنده، تعالى ربنا عما يقول الظالمون.
تفسير المفردات :
وإقامة التوراة : العمل بما فيها على أتم الوجوه سواء في ذلك عمل النفس بالإيمان والإذعان وعمل الجوارح والقوى البدنية، وقوله : لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم أي لوسع الله عليهم موارد الرزق، والمقتصدة : المعتدلة في أمر الدين فلا تغلوا بالإفراط ولا تهمل بالتقصير.
الإيضاح :
ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم أي ولو أقاموا ما في التوراة والإنجيل المنزلين بنور التوحيد المبشرين بالنبي الذي يأتي من أبناء إسماعيل والذي قال فيه عيسى عليه السلام : إنه روح الحق الذي يعلمهم كل شيء.
وأقاموا ما أنزل إليهم من ربهم على هذا النبي الكريم الذي بشرت به كتبهم – لوسع الله عليهم رزقهم ولأعطتهم السماء مطرها وبركتها والأرض نباتها وخيرها كما قال تعالى : لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ( الأعراف : ٩٦ ).
و في هذا تنبيه إلى أن ما أصابهم من الضنك والضيق إنما هو من شؤم جناياتهم لا من قصور في فيض الله وعظيم عطائه وإشارة إلى أنهم لو أقاموهما ما عاندوا النبي ذلك العناد فالدين عندهم إنما كان أماني يتمنونها وبدعا وتقاليد يتوارثونها فهم بين غلو وتقصير وإفراط وتفريط.
ثم ذكر أنهم ليسوا سواسية في أفعالهم وأقوالهم فقال :
منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعلمون أي منهم جماعة معتدلة في أمر دينها لا تفرط ولا تهمل وهم الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وأضرابه من اليهود والنجاشي وأصحابه من النصارى وكثير منهم أجلاف متعصبون ساء ما يعملون من كفرهم بالله واجتراح المعاصي ويزعم النصارى منهم أن المسيح ابن الله ويكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم ويكذب اليهود بعيسى ومحمد صلى الله عليهما.
والمعتدلون لا تخلو منهم أمة لكنهم يكثرون في طور صلاح الأمة وارتقائها ويقلون في طور فسادها وانجلالها ولا تهلك الأمم إلا بكثرة من يعمل السوء من أشرارها وقلة من يعمل الصالحات من أخيارها وهؤلاء المعتدلون هم السباقون إلى كل صلاح وإصلاح يقوم به المجددون من الأنبياء في مختلف العصور ومن ثم قبل هذا الدين الجديد هؤلاء المقتصدون من أهل الكتاب ومن غيرهم فكانوا مع إخوانهم العرب من المجددين للتوحيد والفضائل والآداب والمحبين للعلوم والفنون.
روى ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :''يوشك أن يرفع العلم قلت : وكيف وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا ؟ فقال ثكلتك أمك يا ابن نفير إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى فما أغنى ذلك عنهم حين تركوا أمر الله ثم قرأ : ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل الآية.
وأخرج أحمد وابن ماجه عن زياد بن لبيد قال :'' ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال : وذلك عند ذهاب العلم قلنا : يا رسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة ؟ قال :'' ثكلتك أمك يا أم لبيد إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء''.
ومغزى هذا أن العبرة في الأديان هو العمل بها والاهتداء بهديها وقد كان أهل الكتاب في ذلك العصر أبعد ما كانوا عن هداية دينهم مع شدة عصبيتهم الجنسية له كما هو شأن المسلمين اليوم.
وهذه الشهادة لبعض أهل الكتاب بالقصد والاعتدال لها نظائر في آيات أخرى كقوله تعالى : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( الأعراف : ١٥٩ ) وقوله : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ( آل عمران : ٧٥ ) الآية.
تفسير المراغي
المراغي