ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

داود، والنصارى لعنوا على لسان عيسى، والفريقان من بني إسرائيل وهم أصحاب السبت وأصحاب المائدة. أما أصحاب السبت فهم قوم داود وذلك أن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت بأخذ الحيتان دعا عليهم داود عليه السلام وقال: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخهم الله قردة.
وأما أصحاب المائدة فإنهم لما أكلوا من المائدة وادخروا ولم يؤمنوا، قال عيسى عليه السلام:
اللهم عذّب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت فمسخوا قردة وخنازير وكانوا خمسة آلاف ليس فيهم امرأة ولا صبي ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) أي ذلك اللعن الفظيع بسبب عصيانهم ومبالغتهم في العصيان كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ أي كانوا لا يمتنعون عن معاودة منكر فعلوه ولا يتركونه ولا يصدر من بعضهم نهي لبعض عن منكر أرادوا فعله.
روى ابن مسعود عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من رضي عمل قوم فهو منهم ومن كثّر سواد قوم فهو منهم»
«١». لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) أي أقسم لبئس ما كانوا يفعلونه فعلهم هذا وهو ترك الإصرار على منكر فعلوه وترك النهي عنه تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ أي تبصر كثيرا من أهل الكتاب ككعب بن الأشرف وأصحابه يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي يصادقون كفار أهل مكة أبا سفيان وأصحابه بغضا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وللمؤمنين، أي فإن كعبا وأضرابه خرجوا إلى مشركي مكة ليتفقوا على محاربة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي لبئس شيئا قدموا من موالاتهم لعبدة الأوثان لزاد معادهم موجب سخطه تعالى عليهم وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) أي وخلودهم أبد الآبدين في عذاب جهنم، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها فهي من جملة المخصوص بالذم
وَلَوْ كانُوا أي أهل الكتاب الذين يوالون المشركين يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ أي نبيهم وهو موسى وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ من التوراة كما يدعون مَا اتَّخَذُوهُمْ أي ما اتخذ اليهود المشركين أَوْلِياءَ لأن تحريم ذلك متأكد في التوراة في شرع موسى عليه السلام فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى بل مرادهم الرياسة فيسعون في تحصيله بأيّ طريق قدروا عليه فلهذا وصفهم الله تعالى بالفسق فقال: وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١) أي خارجون عن الدين والإيمان بالله ونبيهم وكتابهم أما البعض منهم فقد آمن وفي هذه الآية وجه آخر ذكره القفال وهو أن يكون المعنى ولو كان هؤلاء المتولون من المشركين يؤمنون بالله وبمحمد صلّى الله عليه وسلّم ما اتخذهم هؤلاء اليهود أولياء وهذا الوجه حسن ليس في

(١) رواه ابن حجر في المطالب العالية (١٦٠٥)، والزيلعي في نصب الراية (٤: ٣٤٦)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٦: ١٢٨)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٢٤٧٣٥)، والعجلوني في كشف الخفاء (٢: ٣٧٨).

صفحة رقم 287

الكلام ما يدفعه لَتَجِدَنَّ يا أكرم الخلق أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا من أهل مكة لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم وانهماكهم في اتباع الهوى وقربهم إلى التقليد وبعدهم عن التحقيق
وعن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ما خلا يهوديان بمسلم إلا همّا بقتله»
«١».
وقد قال بعضهم: مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من خالفهم في الدين بأي طريق كان فإن قدروا على القتل فذاك وإلا فبغصب المال أو بالسرقة أو بنوع من الحيلة. وأما النصارى فليس مذهبهم ذلك بل الإيذاء حرام في دينهم فهذا وجه التفاوت وذكر الله تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم وَلَتَجِدَنَّ يا أشرف الخلق أَقْرَبَهُمْ أي الناس مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى إنما أسند تسميتهم نصارى إليهم دون تسمية اليهود للأشعار بقرب مودتهم حيث يدعون أنهم أنصار الله وأوداء أهل الحق، وإن لم يظهروا اعتقاد حقية الإسلام فتسميتهم نصارى ليست حقيقة بخلاف تسمية اليهود يهودا فإنها حقيقة سواء سموا بذلك لكونهم أولاد يهود بن يعقوب أو لكونهم تابوا عن عبادة العجل أو لتحركهم في دراستهم ذلِكَ أي كونهم أقرب مودة للمؤمنين بِأَنَّ مِنْهُمْ أي بسبب أن منهم قِسِّيسِينَ أي علماء وَرُهْباناً أي عبادا أصحاب الصوامع وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) عن قبول الحق إذا فهموه كما استكبر اليهود والمشركون من أهل مكة وَأنهم إِذا سَمِعُوا أي القسيسون والرهبان الذين آمنوا منهم ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ محمد صلّى الله عليه وسلّم وهو القرآن تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ أي تمتلئ من الدمع حتى تفيض أي تسيل مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ أي من نعت محمد صلّى الله عليه وسلّم في كتابهم أو مما عرفوا بعض الحق الذي هو القرآن.
روي أن قريشا تشاورت أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثب كل قبيلة على من آمن منهم، فآذوهم وعذبوهم، ومنع الله تعالى رسوله محمدا صلّى الله عليه وسلّم بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما نزل بأصحابه أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة وقال: «إن بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا».
فخرج إليها سرا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، منهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد وزوجته أم سلمة بنت أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى، وحاطب بن عمرو وسهيل بن بيضاء فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة بنصف دينار، وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب

(١) رواه العجلوني في كشف الخفاء (٢: ٢٦٦).

صفحة رقم 288

وتتابع المسلمون فكان جميع من هاجر إلى أرض الحبشة اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان، فلما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار. قال كفار قريش: إن ثاركم بأرض الحبشة فاهدوا إلى النجاشي واسمه أصحمة وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر، فبعث
كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن ربيعة بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردهم إليهم فدخلا إليه فقالا له: أيها الملك إنه قد خرج فينا رجل زعم أنه نبي وهو قد بعث إليك برهط من أصحابه ليفسدوا عليك قومك فأحببنا أن نخبرك خبرهم وأن قومنا يسألونك أن تردهم إليهم فقال: حتى نسألهم، فأمر بهم فأحضروا فلما أتوا باب النجاشي قالوا: يستأذن أولياء الله. فقال: ائذنوا لهم فمرحبا بأولياء الله. فلما دخلوا عليه سلموا، فقال الرهط من المشركين: أيها الملك ألا ترى أنهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها؟ فقال لهم الملك: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة. فقال لهم النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ فقال جعفر بن أبي طالب: يقول هو عبد الله ورسوله وكلمة الله وروح منه ألقاها إلى مريم العذراء، ويقول في مريم إنها العذراء البتول. فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال: والله ما زاد صاحبكم على ما قال عيسى قدر هذه العود. فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم. فقال:
هل تعرفون شيئا مما أنزل على صاحبكم؟ قالوا: نعم. قال: اقرءوا. فقرأ جعفر سورة مريم وهناك قسيسون ورهابين وسائر النصارى، فعرفوا ما قرأ فانحدرت دموعهم وما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر الطيار من القراءة، فقال النجاشي لجعفر وأصحابه: اذهبوا فأنتم بأرضي آمنون. فرجع عمرو ومن معه خائبين وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار وخير جوار إلى أن علا أمر رسول الله وقهر أعداءه في سنة ست من الهجرة وكتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قد هاجرت إليه مع زوجها ومات عنها، فأرسل النجاشي إليها جارية اسمها أبرهة تخبرها بخطبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسرت أم حبيبة بذلك وأذنت لخالد بن سعيد أن يزوجها فأنفذ النجاشي إليها أربعمائة دينار صداقها على يد أبرهة، وقالت أبرهة: قد صدقت بمحمد وآمنت به وحاجتي إليك أن تقرئيه مني السلام، قالت: نعم وقالت: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم بخيبر وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدخلت عليه فقرأت عليه السلام من أبرهة جارية الملك فرد الرسول عليها السلام ووافى جعفر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بخيبر ومع جعفر سبعون رجلا عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون رجلا من الحبشة، وثمانية نفر من رهبان الشام: بحيرا الراهب وأصحابه أبرهة وأشرف وإدريس، وتميم وتمام ودريد وأيمن وكلهم من أصحاب النجاشي، فقرأ عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سورة يس إلى آخرها فبكوا وآمنوا وأسلموا. وقالوا: ما أشبه هذا بما

صفحة رقم 289

كان ينزل على عيسى عليه السلام يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا بما سمعنا مما أنزل على رسولك وشهدنا أنه حق فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) أي فاجعلنا من أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم الذين آمنوا فلما لامهم قومهم بالإسلام فقالوا تحقيقا لإيمانهم وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) من أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم وجملة قوله تعالى: لا نُؤْمِنُ حال من الضمير في «لنا» وجملة «لا نطمع» حال ثانية منه بتقدير مبتدأ. أي أيّ شيء حصل لنا غير مؤمنين بالله وبما جاءنا من القرآن والرسول ونحن نطمع في صحبة الصالحين ويجوز أن يكون قوله: وَنَطْمَعُ حالا من الضمير في لا نُؤْمِنُ على معنى أنهم أنكروا على أنفسهم عدم إيمانهم مع أنهم يطمعون في صحبة المؤمنين فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا أي جعل الله ثوابهم على قولهم: ربنا آمنا مع إخلاص النية ومعرفة الحق، أو بسبب ما سألوا بقولهم: فاكتبنا مع الشاهدين كما رواه عطاء عن ابن عباس.
وقرئ فآتاهم الله جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ أي الجنات جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) بالإيمان. أو المعنى جزاء الذين اعتادوا الإحسان في الأمور.
روي أن هذه الآيات الأربع نزلت في النجاشي وأصحابه وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦) أي ملازمون لها لا ينفكون عنها دون غيرهم من عصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ أي لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله لكم، ولا تظهروا باللسان تحريمه، ولا تجتنبوا الطيبات اجتنابا شبيه الاجتناب من المحرمات، ولا تلتزموا تحريم الطيبات بنذر أو يمين وَلا تَعْتَدُوا أي لا تسرفوا في تناول الطيبات ولا تتجاوزوا أمر الله بقطع المذاكير إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) من الحلال إلى الحرام كالمثلة فمن اعتقد تحريم شيء أحله الله فقد كفر، أما ترك لذات الدنيا والتفرغ لعبادة الله تعالى من غير إضرار بالنفس ولا تفويت حق الغير ففضيلة مأمور بها. نزلت هذه الآية في عشرة نفر من أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهم: أبو بكر الصديق، وعمر وعلي وعبد الله بن مسعود، وعثمان بن مظعون الجمحي، ومقداد بن الأسود الكندي، وسالم مولى أبي حذيفة، وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر وذلك لما وصف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم القيامة لأصحابه يوما فبالغ الكلام في الإنذار فبكوا واجتمع هؤلاء العشرة في بيت عثمان بن مظعون وتشاوروا واتفقوا على عزمهم أن يرفضوا الدنيا ويحرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة، وأن يصوموا النهار ويقوموا الليل، وأن لا يناموا على الفرش ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح، ويسيحوا في الأرض، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
فقال لهم: «إني لم أومر بذلك» ثم قال صلّى الله عليه وسلّم: «إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم

صفحة رقم 290

والدسم وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»
«١».
وروي أن عثمان بن مظعون أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: ائذن لي في الاختصاء. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس منا من خصي ولا من اختصي. إن خصاء أمتي الصيام». فقال يا رسول الله ائذن لي بالسياحة فقال: «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» قال: يا رسول الله ائذن لي في الترهب قال: «إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة»
«٢» وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً أي كلوا بعض رزقكم من الله الذي يكون حلالا مستلذا واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) في تحريم ما أحل الله لكم وفي المثلة لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قد تقدم أن قوما من الصحابة حرموا على أنفسهم المطاعم والملابس واختاروا الرهبانية وحلفوا على ذلك على ظن أنه قربة، فلما نهاهم الله تعالى عنها قالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ أي بتعقيدكم الأيمان بالقصد إذا حنثتم.
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم «عقّدتم» بتشديد القاف. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «عقدتم» بتخفيف القاف. وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر «عاقدتم» بالألف والتخفيف فَكَفَّارَتُهُ أي فكفارة نكث الأيمان التي ليست بلغو إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ في قدر الطعام وهو ثلثا منّ لكل مسكين فإن الإنسان قد يكون قليل الأكل جدا يكفيه الرغيف الواحد، وقد يكون كثير الأكل فلا يكفيه المنوان والمتوسط الغالب يكفيه من الخبز ما يقرب من المن، فثلثا منّ من الحنطة إذا جعل دقيقا أو خبزا فإنه يصير قريبا من المنّ وذلك كاف في قوت اليوم الواحد أَوْ كِسْوَتُهُمْ بأقل ما يطلق عليه اسم الكسوة كإزار أو رداء، وقميص أو سراويل أو عمامة لكل مسكين ثوب واحد أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وتقديم الإطعام على العتق لأن المقصود تنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير بين هذه الثلاثة، ولأن الإطعام أسهل لكون الطعام أعم وجودا ولأن الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته فَمَنْ لَمْ يَجِدْ واحدا من هذه الثلاثة فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ولو متفرقة لما
روي أن رجلا قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم على أيام من رمضان: أفأقضيها متفرقات فقال صلّى الله عليه وسلّم: «أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك؟» قال: بلى:

(١) رواه البخاري في كتاب النكاح، باب: الترغيب في النكاح، ومسلم في كتاب النكاح باب: ٥، والنسائي في كتاب النكاح، باب: النهي عن التبتل، والدارمي في كتاب النكاح باب: النهي عن التبتل، وأحمد في (م ٢/ ص ١٥٨).
(٢) رواه أحمد في (م ٢/ ص ١٧٣).

صفحة رقم 291

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية