بها وهى ازواج العلماء وخواص هذه الامة وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وهى أبكار حقائق الكتب المنزلة على الامة السالفة التي أحصنت من الذين انزل عليهم الكتب وأدرجت فى القرآن وأخفيت لكم كما قال تعالى فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ يعنى فى القرآن مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ وهى أبكار حقائق جميع الكتب المنزلة فافهم جدا كلها لكم إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ اى مهور هذه الابكار وهى بذل الوجود مُحْصِنِينَ يعنى متعففين فى بذل الوجود فيكون على وجه الحق وبتصرف المشايخ الواصلين غَيْرَ مُسافِحِينَ على وفق الطبع وخلاف الشرع وبتصرف الهوى وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ يعنى فى بذل الوجود لا يكون ملتفتا الى شىء من الكونين ولا الى أحد فى الدارين سوى الله ليكون هو المشرب ومنه الشراب وهو الحريف والساقي وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ بهذه المعاملات والكمالات إذ حرم من العيان من هذه السعادات فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ الذي عمله على العمياء والتقليد وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ الذين خسروا الدنيا والعقبى والمولى كذا فى التأويلات النجمية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ المراد بالقيام اما القيام الذي هو من اركان الصلاة فالتقدير إذا أردتم القيام لها بطريق اطلاق اسم المسبب على السبب لان الجزاء لا بد وان يتأخر عن الشرط يعنى صحة قيام الصلاة بالطهارة واما القيام الذي هو من مقدمات مباشرة الصلاة فالتقدير إذا قصدتم الصلاة إطلاقا لاسم أحد لازميها على لازمها الآخرة فالوضوء من شرائط القيام الاول دون الثاني وهذا الخطاب خاص بالمحدثين بقرينة دلالة الحال فلا يلزم الوضوء على كل قائم الى الصلاة سواء كان محدثا أم لا كما يقتضيه ظاهر الآية فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الغسل اجراء الماء على المحل وتسييله سواء وجد معه الدلك أم لا والوجه ما يواجهك من الإنسان وحده من قصاص الشعر الى أسفل الذقن طولا ومن شحمة الاذن الى شحمة الاذن عرضا يجب غسل جميعه فى الوضوء ويجب إيصال الماء الى ما تحت الحاجبين واهداب العينين والشارب والعذار والعنفقة وان كانت كثيفة وعند الامام لا يجب غسل ما تحت الشعر ففرض اللحية عنده مسح ما يلاقى الوجه دون ما استرسل من الذقن لانه لما سقطت فرضية غسل ما تحت اللحية انتقلت فرضيته الى خلفه وظاهر الآية ان المضمضة والاستنشاق غير واجبين فى الوضوء لان اسم الوجه يتناول الظاهر دون الباطن فهما من السنن وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ الجمهور على دخول المرفقين فى المغسول ولذلك قيل الى بمعنى مع كقوله تعالى لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ والمرافق جمع مرفق وهو مجتمع طرفى الساعد والعضد ويسمى مرفقا لانه الذي يرتفق به اى يتكأ عليه من اليد وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ الباء مزيدة كما القى بيده. والمسح الاصابة وقدر الواجب عند ابى حنيفة ربع الرأس لانه عليه السلام مسح على ناصيته وهو قريب من الربع فان للرأس جوانب اربعة ناصية وقذال وفودان والقذال مؤخر الرأس خلف الناصية وفودا الرأس جانباه. فى الواقعات المحمودية قال حضرت الشيخ الشهير بافتاده افندى انكشف لى وجه الاختلاف فى مقدار مسح الناصية وهو ان بدن الإنسان مربع فبالقياس اليه ينبغى ان يكون
صفحة رقم 350
الممسوح ربع الرأس واما اعتبار قدر ثلاثة أصابع فبالنظر الى حال نفس الرأس فانه مسدس والسدس فيه قدر ثلاثة أصابع. قال المرحوم حضرة محمود الهدايى قلت فحينئذ ينبغى ان يكون الاعتبار الأخير اولى لانه بالنظر الى حال نفسه بخلاف الاول لانه بالقياس الى البدن.
فقال حضرة الشيخ افتاده وجه اولوية الاول ان البدن اكثر من الرأس فاتباع الأقل بالأكثر اولى انتهى. قال الحدادي واما مسح الأذنين فهو سنة فيمسح ظاهر اذنيه بإبهاميه وظاهرهما بمسبحتيه بماء الرأس واما مسح الرقبة فمستحب. وفى الحديث (من مسح رقبته فى الوضوء أمن من الغل يوم القيامة) وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ بالنصب عطفا على وجوهكم ويؤيده السنة الشائعة وعمل الصحابة وقول اكثر الائمة والتحديد إذ المسح لم يعهد محدودا وانما جاء التحديد فى المغسولات. قال فى الأشباه غسل الرجلين أفضل من المسح على الخفين لمن يرى جوازه والا فهو أفضل وكذا بحضرة من لا يراه انتهى وذهبت الروافض الى ان الواجب فى الرجلين المسح ورووا فى المسح خبرا ضعيفا شاذا. قال صاحب الروضة خف الروافض مثل فى السعة لانه لا يرى المسح على الخف ويرى المسح على الرجلين فيوسعه ليتمكن من إدخال يده فيه ليمسح برجله. وعن ابن المغيرة عن أبيه قال كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة فى سفر فقال (أمعك ماء) قلت نعم فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عنى فى سواد الليل ثم جاء فافرغت عليه من الاداوة فغسل وجه ويديه وعليه جبة من الصوف فلم يستطع ان يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة فغسل ذراعيه ثم مسح برأسه ثم أهويت لا نزع خفيه فقال (دعهما فانى أدخلتهما طاهرين) فمسح عليهما كذا فى تفسير البغوي. وأطبق العلماء على ان وجوب الوضوء مستفاد من هذه الآية ومن سنته النية فينوى رفع الحدث او اقامة الصلاة ليقع قربة واستعمال السواك فى غلظة الخنصر وطول الشبر حالة المضمضة تكميلا للانقاء او قبل الوضوء وعند فقده يعالج بالأصابع وينال بالإصبع ثواب السواك. وفى الهداية الأصح ان السواك مستحب. وعن مجاهد قال ابطأ جبريل عليه السلام على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ثم أتاه فقال له النبي عليه السلام (ما حبسك يا جبريل) قال وكيف آتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم ولا تنقون براجمكم ولا تستاكون ثم قرأ وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ والبراجم مفاصل الأصابع والعقد التي على ظاهرها يجتمع فيها من الوسخ وفى الحديث (نقوا براجمكم) فامر بتنقيتها لئلا تدرن فتبقى فيها الجنابة ويحول الدرن بين الماء والبشرة وفى الحديث (نظفوا لثاتكم) جمع لثة بالتخفيف وهى اللحمة التي فوق الأسنان دون الأسنان فامر بتنظيفها لئلا يبقى فيها وحل الطعام فتتغير عليه النكهة وتتنكر الرائحة وينأذى الملكان لانه طريق القرآن ومقعد الملكين وتنفر الملائكة من الرائحة الكريهة وفى الحديث (ان العبد إذا تسوك ثم قام يصلى قام الملك خلفه فيستمع لقراءته فيدنو منه حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شىء من القرآن إلا صار فى جوف الملك فطهروا أفواهكم للقرآن) وفى الحديث (ركعتان بسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك). ويقول المتوضي بعد التسمية [الحمد لله الذي جعل الماء
طهورا]. وعند المضمضة [اللهم اسقني من حوض نبيك كأسا لا اظمأ بعدها ابدا اللهم اعنى على ذكرك وشكرك وتلاوة كتابك]. وعند الاستنشاق [اللهم لا تحرمنى من رائحة نعيمك وجنانك] او يقول [اللهم أرحني رائحة الجنة ولا ترحنى رائحة النار]. وعند غسل الوجه [اللهم بيض وجهى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه] او يقول [اللهم بيض وجهى بنورك يوم تبيض وجوه أوليائك ولا تسود وجهى بذنوبي يوم تسود وجوه أعدائك]. وعند غسل اليد اليمنى [اللهم أعطني كتابى بيمينى وحاسبنى حسابا يسيرا] وعند غسل اليد اليسرى [اللهم لا تعطنى كتابى بشمالى ولا من وراء ظهرى]. وعند مسح الرأس [اللهم حرم شعرى وبشرى على النار وأظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل الا ظلك اللهم غشنى برحمتك وانزل على من بركاتك]. وعند مسح الأذنين [اللهم اجعلنى من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه]. وعند مسح رقبته [اللهم أعتق رقبتى من النار]. وعند غسل الرجل اليمنى [اللهم ثبت قدمى على الصراط يوم تزل فيه الاقدام]. وعند غسل الرجل اليسرى [اللهم اجعل لى سعيا مشكورا وذنبا مغفورا وعملا مقبولا وتجارة لن تبور] ويقول بعد الفراغ [اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرين واجعلنى
من عبادك الصالحين الذين أنعمت عليهم واجعلنى من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون]. والحكمة فى تخصيص الأعضاء الاربعة فى الوضوء ان آدم عليه السلام لما توجه الى الشجرة بالوجه وتناولها باليد ومشى إليها بالرجل ووضع يده على رأسه امره بغسل هذه الأعضاء تكفيرا للخطايا وقد جاء فى الحديث (ان العبد إذا غسل وجهه خرجت خطاياه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه) وكذلك فى بقية الأعضاء. وقيل خص بغسل هذه الأعضاء الامة المحمدية ليكونوا غرا محجلين بين الأمم كما روى ان رسول الله ﷺ اتى المقبرة فقال (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وانا ان شاء الله بكم لاحقون وددت انا قد رأينا إخواننا) قالوا أو لسنا اخوانك يا رسول الله قال (أنتم أصحابي وإخواننا الذين يأتون بعد) قالوا كيف تعرف من يأتون بعد من أمتك يا رسول الله فقال (أرأيتم لو ان رجلا له خيل غر محجلة بين اظهر خيل دهم بهم ألا يعرف خيله) قالوا بلى يا رسول الله قال (فانهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء وانا فرطهم على الحوض).
واعلم ان النبي ﷺ صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد فقال عمر رضى الله عنه صنعت شيأ لم تكن تصنعه فقال عليه السلام (عمدا فعلته يا عمر) يعنى بيانا للجواز غير انه يستحب تجديد الوضوء لكل فرض وفى الحديث (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات) وللتجديد اثر ظاهر فى تنوير الباطل. وكان بعض اهل الله يتوضأ عند الغيبة والكذب والغضب لظهور غلبة النفس وتصرف الشيطان فالوضوء هو النور الذي به تضمحل ظلمات النفس والشيطان. وكان على وجه بعضهم قرح لم يندمل اثنتي عشرة سنة لضرر الماء له. وكان مع ذلك لم يدع تجديد الوضوء عند كل فريضة. ونزل فى عين بعضهم ماء اسود فقال الكحال لا بد من ترك الوضوء أياما والا فلا يعالج فاختار ذهاب
بصره على ترك الوضوء. ودوام الطهارة مستجلب لمزيد الرزق كما قال عليه السلام (دم على الطهارة يوسع عليك الرزق) والسنة ان يصلى بعد الوضوء ركعتين تسمى شكر الوضوء- روى- ان رسول الله ﷺ قال لبلال (يا بلال حدثنى بأرجى عمل عملته فى الإسلام فانى سمعت دق نعليك بين يدى فى الجنة) قال ما عملت عملا أرجى عندى من انى لم أتطهر طهورا فى ساعة من ليل او نهار الا صليت بذلك الطهور ما كتب لى ان أصلي.
قال فى الاسرار المحمدية لابن فخر الدين الرومي ويصلى شكر الوضوء وان فى الأوقات المكروهة لا الأوقات المحرمة كما قبل صلاة الفجر وبعدها وبعد صلاة العصر ايضا لانها من الصلوات ذوات الأسباب. واما الأوقات المحرمة كطلوع الشمس وزوالها وغروبها فلا تجوز فيه أصلا فيصبر الى وقت اباحة الصلاة فيصليها حينئذ الا إذا كان بمكة. عن جبير ان النبي عليه السلام قال (يا بنى عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية شاء من ليل او نهار) وعن جندب ان رسول الله ﷺ قال (لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس الا بمكة الا بمكة الا بمكة) انتهى كلام الاسرار.
والاشارة فى الآية ان الخطاب فى قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هو خطاب مع الذين آمنوا ايمانا حقيقيا عند خطاب ألست بربكم بقولهم بلى. وهم اهل الصف الاول يوم الميثاق آمنوا بعد ما عاينوا. واهل الصف الثاني آمنوا إذ شاهدوا. واهل الصف الثالث آمنوا إذ سمعوا الخطاب. واهل الصف الرابع آمنوا تقليدا لا تحقيقا لانهم ما عاينوا ولا شاهدوا ولا سمعوا خطاب الحق بسمع الفهم والدراية بل سمعوا سماع القهر والنكاية فتحيروا حتى سمعوا جواب اهل الصفوف الثلاثة إذ قالوا بلى فقالوا بتقليدهم بلى فلا جرم هاهنا ما آمنوا وهم الكفار وان آمنوا ما آمنوا على التحقيق بل بالتقليد او بالنفاق وهم المنافقون.
واهل الصف الثالث هم المسلمون وعوام المؤمنين فكما آمنوا هناك بسماع الخطاب فكذلك هاهنا آمنوا بسماع كقوله تعالى إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا.
واما اهل الصف الثاني وهم خواص المؤمنين وعوام الأولياء فكما انهم آمنوا هناك إذ شاهدوا فكذلك هاهنا آمنوا بشواهد المعرفة كما قال وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا ومن هاهنا قال بعضهم ما نظرت فى شىء الا ورأيت الله فيه. واما اهل الصف الاول وهم الأنبياء وخواص الأولياء فكما آمنوا هناك إذ عاينوا فكذلك هاهنا آمنوا إذ عاينوا كقوله تعالى آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وذلك فى ليلة المعراج إذ اوحى الى عبده ما اوحى قال آمن الرسول بما انزل اليه من ربه وكان ايمان موسى عليه السلام نوعا من هذا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وانا أول المؤمنين.
وقال على رضى الله عنه لم اعبد ربا لم أره. وقال بعضهم رأى قلبى ربى وقال آخر ما نظرت فى شىء الا ورأيت الله فيه فخاطب اهل الصف الاول بقوله يا ايها الذين آمنوا تحقيقا ثم اهبطوا عن ممالك القرب الى مهالك البعد ومن رياض الانس الى سباخ الانس إِذا قُمْتُمْ من نوم الغفلة انتبهتم من رقدة الفرقة إِلَى الصَّلاةِ هى معراجكم للرجوع الى مقام قربكم كما قال
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ التي توجهتم بها الى الدنيا ولطختموها بالنظر الى الأغيار بماء التوبة والاستغفار وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ اى واغسلوا ايديكم عن التمسك بالدارين والتعلق بما فى الكونين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ببذل نفوسكم وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ اى واغسلوا أرجلكم عن طين طينتكم والقيام بانانيتكم كذا فى التأويلات النجمية: قال الحافظ قدس سره
| من هماندم كه وضو ساختم از چشمه عشق | چار تكبير زدم يكسره بر هر چهـ كه هست |
ففرض الغسل غسل الفم والانف وسائر البدن. وسنته غسل يديه لكونهما آلة التطهر.
وفرجه لانه مظنة النجاسة ونجاسة حقيقية ان كانت على سائر بدنه لئلا تتلاشى عند إصابة الماء. والوضوء وضوءه للصلاة الا انه يؤخر غسل رجليه الى ما بعد صب الماء على جميع بدنه ان كانتا فى مستنقع الماء تحرزا على الماء المستعمل وتثليث الغسل المستوعب هكذا حكى غسل رسول الله. ويبتدئ بمنكبه الايمن ثم الأيسر ثم الرأس فى الأصح. وليس على المرأة نقض ضفيرتها ولا بلها ان بل أصلها لان كون الشعر من البدن باعتبار أصوله فيكتفى ببل أصوله فيما فيه حرج وفيما لا حرج فيه يجب إيصال الماء الى جميعه كالضفيرة المفتولة وحكم المنقوضة ليس كذلك بل يجب إيصال الماء الى جميعها لعدم الحرج فيها. والرجل يجب عليه إيصال الماء الى جميع شعره والفرق ان حلق الشعر للمرأة مثلة دون الرجل والحرج مندفع عنه بغير الضفيرة وادنى ما يكفى من الماء فى الغسل صاع وفى الوضوء مد والصاع ثمانية أرطال والمد رطلان لما روى ان النبي عليه السلام كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد ثم اختلفوا هل المد من الصاع او من غيره فهذا ليس بتقدير لازم حتى لو أسبغ الوضوء والغسل بدون ذلك جاز ولو اغتسل بأكثر منه جاز ما لم يسرف فهو المكروه كذا فى الاختيار شرح المختار.
والجنب الصحيح فى المصر إذا خاف الهلاك من الاغتسال جاز له التيمم فى قولهم. واما المحدث فى المصر إذا خاف الهلاك من التوضؤ اختلفوا فيه على قول ابى حنيفة رحمه الله والصحيح انه لا يباح له التيمم كذا فى فتاوى قاضى خان. والمرأة إذا وجب عليها الغسل ولم تجد سترة من الرجال تؤخره والرجل إذا لم يجد سترة من الرجال لا يؤخره ويغتسل. وفى الاستنجاء إذا لم يجد سترة يتركه والفرق ان النجاسة الحكمية أقوى والمرأة بين النساء كالرجل بين الرجال كذا فى الأشباه وفى الحديث (ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر والمتضمخ بالخلوف والجنب الا ان يتوضأ) وفى الحديث (لا ينقع بول فى طست فى البيت فان الملائكة لا تدخل بيتا فيه صفحة رقم 354
بول منتقع ولا تبولنّ فى مغتسلك) وفى الاغتسال منافع بدنية وفوائد دينية. منها مخالفة الكفار فانهم لا يغتسلون وازالة الدنس والابخرة الرديئة النفسانية التي تورث بعض الأمراض وتسكين حرارة الشهوات الطبيعية. قال الشيخ النيسابورى فى كتاب اللطائف فوائد الطهارة عشر طهارة الفؤاد وهو صرفه عما سوى الله تعالى. وطهارة السر المشاهدة. وطهارة الصدر الرجاء والقناعة. وطهارة الروح الحياء والهيبة. وطهارة البطن أكل الحلال والعفة عن أكل الحرام والشبهات. وطهارة البدن ترك الشهوات وازالة الأدناس. وطهارة اليدين الورع والاجتهاد. وطهارة اللسان الذكر والاستغفار. قال الثعلبي فى تفسير هذه الآية قال على رضى الله عنه اقبل عشرة من أحبار اليهود فقالوا يا محمد لماذا امر الله بالغسل من الجنابة ولم يأمر من البول والغائط وهما أقذر من النطفة فقال ﷺ (ان آدم لما أكل من الشجرة تحول فى عروقه وشعره فاذا جامع الإنسان نزل من اصل كل شعرة فافترضه الله علىّ وعلى أمتي تطهيرا وتكفيرا وشكرا لما أنعم الله عليهم من اللذة التي يصيبونها) قال فى بدائع الصنائع فى احكام الشرائع انما وجب غسل جميع البدن بخروج المنى ولم يجب بخروج البول والغائط وانما وجب غسل الأعضاء المخصوصة لا غير لوجوه. أحدها ان قضاء الشهوة بانزال المنى استمتاع بنعمة يظهر اثرها فى جميع البدن وهى اللذة فامر بغسل جميع البدن شكرا لهذه النعمة وهذا لا يتقدر فى البول والغائط. والثاني ان الجنابة تأخذ جميع البدن ظاهره وباطنه لان الوطء الذي هو سببها لا يكون الا باستعمال جميع ما فى البدن من القوة حتى يضعف الإنسان بالإكثار منه ويقوى بالامتناع عنه واذن أخذت الجنابة جميع البدن الظاهر والباطن بقدر الإمكان ولا كذلك الحدث فانه لا يأخذ الا الظاهر من الأطراف لان سببه يكون بظواهر الأطراف من الاكل والشرب ولا يكون باستعمال جميع البدن فاوجب غسل ظاهر الأطراف لا سائر البدن. والثالث ان غسل الكل او البعض وجب وسيلة الى الصلاة التي هى خدمة الرب سبحانه والقيام بين يديه وتعظيمه فيجب ان يكون المصلى على اطهر الأحوال وانظفها ليكون اقرب الى التعظيم وأكمل فى الخدمة وكمال تعظيم النظافة يحصل بغسل جميع البدن وهذا هو العزيمة فى الحدث ايضا الا ان ذلك مما يكثر وجوده فاكتفى منه بأكثر النظافة وهى تنقية الأطراف التي تنكشف كثيرا ويقع عليها الابصار ابدا وأقيم ذلك مقام غسل كل البدن دفعا للحرج وتيسيرا وفضلا من الله ورحمة ولا حرج فى الجنابة لانها لا تكثر فبقى الأمر فيها على العزيمة انتهى كلام البدائع هذا غسل الحي.
واما غسل الميت فشريعة ماضية لما روى ان آدم عليه السلام لما قبض نزل جبريل بالملائكة وغسلوه وقالوا لأولاده هذه سنة موتاكم وفى الحديث (للمسلم على المسلم ستة حقوق ومن جملتها ان يغسله بعد موته) ثم هو واجب عملا بكلمة على ولكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود وأريد بالسنة فى حديث آدم الطريقة ولو تعين واحد لغسله لا يحل له أخذ الاجرة عليه وانما وجب غسل الميت لانه تنجس بالموت كسائر الحيوانات الدموية الا انه يطهر بالغسل كرامة له ولو وجد ميت فى الماء فلا بد من غسله لان الخطاب بالغسل توجه لبنى آدم ولم يوجد منهم
فعل. وقيل ان الميت إذا فارقته الروح وارتاح من شدة النزع انزل فوجب على الاحياء غسله كذا فى حل الرموز وكشف الكنوز. والفرق بين غسل الميت والحي انه يستحب البداءة بغسل وجه الميت بخلاف الحي فانه يبدأ بغسل يديه ولا يمضمض ولا يستنشق بخلاف الحي ولا يؤخر غسل رجليه بخلاف الحي ان كان فى مستنقع الماء ولا يمسح رأسه فى وضوء الغسل بخلاف الحي فى رواية كذا فى الأشباه. والاشارة فى الآية وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً بالالتفات الى غيرنا فَاطَّهَّرُوا بالنفوس عن المعاصي وبالقلوب عن رؤية الطاعات وبالاسرار عن رؤية الأغيار وبالأرواح عن الاسترواح من غيرنا وبسر السر عن لوث الوجود فلا بد من الطهارة مطلقا: قال الحافظ
| چون طهارت نبود كعبه وبتخانه يكيست | نبود خير در ان خانه كه عصمت نبود |
| كرا جامه پاكست وسيرت پليد | در دوزخش را نبايد كليد |
فينسى كونها نعمة الهية فتكون اقامة وظائفه اتباعا لمقتضى الطبيعة فلا تكون عبادة وانما تكون شكرا لو وقع اتباعا للامر وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ اى عهده المؤكد الذي اخذه عليكم وقوله تعالى إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا ظرف لواثقكم به وفائدة التقييد به تأكيد وجوب مراعاته بتذكير قبولهم والتزامهم بالمحافظة عليه وهو الميثاق الذي اخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فى حال اليسر والعسر والمنشط والمكره وَاتَّقُوا اللَّهَ فى نسيان نعمه ونقض ميثاقه إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ اى بخفياتها الملابسة لها ملابسة تامة مصححة لاطلاق الصاحب عليها فيجازيكم عليها فما ظنكم بجليات الأعمال واعلم ان أول النعم التي أنعم الله بها على المؤمنين إخراجهم من ظلمة العدم الى نور الوجود قبل كل موجود وخلقهم فى احسن تقويم لقبول الدين القويم وهدايتهم الى الصراط المستقيم واستماع الست بربكم وجواب بلى وتوفيقهم للسمع والطاعة ولو لم تكن نعمة التوفيق لقالوا سمعنا وعصينا كما قال اهل الخذلان والعصيان. وعن عبد الرحمن بن عوف بن مالك الأشجعي قال كنا عند رسول الله ﷺ تسعة او ثمانية او سبعة فقالوا ألا تبايعون رسول الله وكنا حديثى عهد ببيعته فقلنا قد بايعناك يا رسول الله قال (ألا تبايعون رسول الله) فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك قال (ان تعبدوا الله ولا تشركوا به شيأ وتصلوا الصلوات الخمس وتطيعوا أوامره جلية وخفية ولا تسألوا الناس) فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه حتى يكون هو ينزل فيأخذه. وعن ابى ذر رضى الله عنه قال بايعنى رسول الله ﷺ خمسا واو ثقنى سبعا واشهد الله على سبعا ان لا أخاف فى الله لومة لائم. وعنه قال لى رسول الله ﷺ (أوصيك بتقوى الله بسر أمرك وعلانيتك وإذا اسأت فاحسن ولا تسألن أحدا شيأ وان سقط سوطك ولا تقبض امانة) : قال الحافظ الشيرازي
| وفا وعهد نكو باشد ار بياموزى | وگرنه هر كه تو بينى ستمگرى داند |
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء