(لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ). وَهَذَا التَّعْبِيرُ أَبْلَغُ مِنْ تَعَلُّقِ الْوَعْدِ بِالْمَوْعُودِ نَفْسِهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْفَتْحِ: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (٤٨: ٢٩) لِأَنَّ مَا هُنَالِكَ خَبَرٌ وَاحِدٌ، لَا تَأْكِيدَ فِيهِ، وَلَا زِيَادَةَ عِنَايَةٍ بِتَقْرِيرِهِ، وَمَا هُنَا خَبَرٌ فِيهِ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ أَوْ تَقْرِيرٍ لِلْوَعْدِ ; فَقَدْ وَعَدَ وَعَدًا مُجَمَلًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ تَتَوَجَّهَ النَّفْسُ لِلسُّؤَالِ عَنْ بَيَانِهِ، فَهَذَا خَبَرٌ مُسْتَقِلٌّ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الْإِجْمَالَ بِخَبَرٍ آخَرَ أَثْبَتَ فِيهِ أَنَّ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ وَعَدَهُمْ وَعْدًا حَسَنًا، أَوْ جَزَاءً حَسَنًا، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ وَعْدَهُ مَفْعُولٌ، وَأَنْ لِهَؤُلَاءِ الْمَوْعُودِينَ عِنْدَهُ كَذَا وَكَذَا. هَذَا إِذَا جُعِلَتِ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا، وَهُوَ التَّقْدِيرُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُخْتَارُ، وَكَذَلِكَ إِذَا جُعِلَتِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَابِ مَقُولِ الْقَوْلِ تَتَضَمَّنُ زِيَادَةَ التَّقْرِيرِ لِلْمَوْعُودِ بِهِ، وَالتَّأْكِيدِ لِوُقُوعِهِ. وَمَعْنَى الْمَغْفِرَةِ: أَنَّ إِيمَانَهُمْ وَعَمَلَهُمُ الصَّالِحَ يَسْتُرُ أَوْ يَمْحُو مِنْ نُفُوسِهِمْ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ سُوءِ تَأْثِيرِ الْأَعْمَالِ السَّابِقَةِ، فَيَغْلِبُ فِيهَا حُبُّ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ، وَتَكُونُ صَالِحَةً لِجِوَارِ اللهِ تَعَالَى. وَالْأَجْرُ الْعَظِيمُ: هُوَ
الْجَزَاءُ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ، الْمُضَاعَفُ بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، وَلَمَّا بَيَّنَ الْوَعْدَ اقْتَضَى أَنْ يُبَيِّنَ الْوَعِيدَ، كَمَا هِيَ سُنَّةُ الْقُرْآنِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ، فَقَالَ:
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا: الْكُفْرُ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْكُفْرِ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وَالْكُفْرِ بِبَعْضٍ وَالْإِيمَانِ بِبَعْضٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ; لِأَنَّ الْكُفْرَ بِأَيِّ رَسُولٍ مِنْهُمْ لَا يَكُونُ - مِمَّنْ يَعْقِلُ مَعْنَى الرِّسَالَةِ - إِلَّا عِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا عَنْ طَاعَتِهِ تَعَالَى كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ تِلْكَ الْآيَةِ. وَآيَاتُ اللهِ تَعَالَى قِسْمَانِ: آيَاتُهُ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى رَسُولِهِ، وَآيَاتُهُ الَّتِي أَقَامَهَا فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَكَمَالِهِ وَتَنْزِيهِهِ، وَعَلَى صِدْقِ رُسُلِهِ فِيمَا يُبَلِّغُونَ عَنْهُ، فَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ الْمُكَذِّبُونَ هُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ; أَيْ دَارِ الْعَذَابِ. وَالْجَحِيمُ: النَّارُ الْعَظِيمَةُ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ حِكَايَةً عَنْ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) وَمَعْلُومٌ مِنَ الْآيَاتِ الْأُخْرَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا فِي هَذَا الْبُنْيَانِ نَارًا عَظِيمَةً، وَهَذَا هُوَ الْجَزَاءُ عَلَى الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ أَعْمَالِ الْكَافِرِينَ الْمُكَذِّبِينَ، وَلَا يَنْفَعُ مَعَ مِثْلِ هَذَا الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ عَمَلٌ، فَإِنَّ إِفْسَادَهُ لِلْأَرْوَاحِ وَتَدْسِيَتَهُ لِلنُّفُوسِ لَا يَمْحُوهَا عَمَلٌ آخَرُ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ (وَهَلْ يُصْلِحُ الْعَطَّارُ مَا أَفْسَدَ الدَّهْرُ)
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ هَمَّ بِقَتْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَهُ قَوْمُهُ لِذَلِكَ، وَكَانَ بِيَدِهِ السَّيْفُ، وَلَيْسَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِلَاحٌ، وَكَانَ مُنْفَرِدًا. وَأَقْوَى هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مَا صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ
مِنْ مُحَارِبٍ، وَاسْمُهُ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ (قَالَ) : قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: اللهُ. فَوَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، قَالَ: (تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟) قَالَ: أُعَاهِدُكَ أَلَّا أُقَاتِلَكَ، وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ. فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَجَاءَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ. وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ السَّيْفَ الَّذِي كَانَ بِيَدِ الْأَعْرَابِيِّ كَانَ سَيْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّقَهُ فِي شَجَرَةٍ وَقْتَ الرَّاحَةِ، فَأَخَذَهُ الرَّجُلُ، وَجَعَلَ يَهُزُّهُ، وَيَهُمُّ بِقَتْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكْبِتُهُ اللهُ تَعَالَى.
وَرَوَى آخَرُونَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ بَنِي النَّضِيرِ ; إِذْ
ذَهَبَ إِلَيْهِمْ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، يَطْلُبُونَ مِنْهُمُ الْإِعَانَةَ عَلَى دِيَةِ قَتْلِ الرَّجُلَيْنِ الْكِلَابِيَّيْنِ، اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ مُنْصَرَفَهُ مِنْ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَكَانَ مَعَهُمَا أَمَانٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَقَوْمُهُمَا مُحَارِبُونَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاهَدَ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى أَلَّا يُحَارِبُوهُ، وَأَنْ يُعِينُوهُ عَلَى الدِّيَاتِ ; فَلَمَّا طَلَبَ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَهُوَ بَيْنُهُمْ أَظْهَرُوا لَهُ الْقَبُولَ، وَقَالُوا اقْعُدْ حَتَّى نَجْمَعَ لَكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا وَتَسْأَلَنَا حَاجَةً، اجْلِسْ حَتَّى نُطْعِمَكَ وَنُعْطِيَكَ الَّذِي تَسْأَلُنَا. فَلَمَّا جَلَسَ بِجَانِبِ جِدَارِ دَارٍ لَهُمْ وَجَدُوا أَنَّ الْفُرْصَةَ قَدْ سَنَحَتْ لِلْغَدْرِ بِهِ، وَقَالَ لَهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ: لَا تَرَوْنَهُ أَقْرَبَ مِنْهُ الْآنَ، اطْرَحُوا عَلَيْهِ حِجَارَةً فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تَرَوْنَ شَرًّا أَبَدًا! فَهَمُّوا أَنْ يَطْرَحُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، وَفِي رِوَايَةٍ: رَحًى عَظِيمَةً، وَإِنَّمَا اعْتَلُّوا بِصُنْعِ الطَّعَامِ ; لِيَكُونَ لَهُمْ فِيهِ وَقْتٌ يَنْقُلُونَ الصَّخْرَةَ، أَوِ الرَّحَى إِلَى سَطْحِ الدَّارِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُرِيدُونَ قَتْلَ مَنْ مَعَهُ أَيْضًا، وَقِيلَ كَانَ مَعَهُمْ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَيْضًا، وَقَدْ أَعْلَمَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ، فَانْطَلَقَ وَتَرَكَهُمْ، وَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهَا نَزَلَتْ مُذَكِّرَةً بِهَذِهِ الْقِصَّةِ ; فَإِنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَوَائِلِ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مُذَكِّرَةً بِهَذِهِ الْحَادِثَةِ وَبِحَادِثَةِ الْمُحَارِبِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ وَقَائِعِ الِاعْتِدَاءِ الَّتِي كَانَتْ كَثِيرَةً حَتَّى بَعْدَ قُوَّةِ الْإِسْلَامَ بِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، دَعْ مَا كَانَ يَقَعُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مِنْ إِيذَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَعُدْوَانِهِمْ ; فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُذَكِّرُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَالْمِنَّةُ لَهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي ذَلِكَ لَيْسَتْ قَاصِرَةً عَلَى مَنْ وَقَعَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْوَقَائِعُ مِنَ النَّبِيِّ، صَلَّى الله عَلَيْهِ، وَالْمُؤْمِنِينَ،
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني